شخصيات فنية

هناء الشبلي: الفن الرقمي قيمة استثنائية*

تنتهج د. هناء الشبلي أسلوبها الفني الخاص الذي يميزها عن بقية الفنانين بما تمتلكه من رؤية واضحة لموضوعاتها وأفكارها المتعلقة بالمرأة والحياة.. تشكلت مع غزارة ثقافتها المعرفية العالية وإجادتها المميزة لعناصر الفن وأدواته في إيصال رسائلها الغنية بالفن والثقافة والجمال..

في هذا اللقاء نسلط الضوء على أبعاد الجانب الفني وفلسفته تجاه اللون والمعرفة والفكر الفني..

تبتدر حديثها مسلطة الضوء على بداياتها وتقول: (بدأت علاقتي مع الفن التشكيلي منذ الطفولة عندما بدأت التشكيل الفني بعرائس من طين أعجنه من الرمل الناعم الذي كان يتجمع في فناء منزلنا قديما، وكانت الوالدة حفظها الله تساعد وتشجع.

تواصل وتضيف: (كان الوالد – رحمه الله – يمتلك مكتبة كبيرة تحوي سلسة دار المعرفة التي تزخر بالصور الملونة في مجلدات فخمة مستوردة من مصر مع مجموعة أخرى من الكتب والروايات وكان حريصا على اقتناء العدد الشهري من مجلة العربي الغنية بالموضوعات المتنوعة، ولاشك أن كل ذلك منحني مخزونا كبيرا من المعلومات الثقافية.

وعن انطلاقتها الحقيقية في عالم الفن تقول هناء: (كانت انطلاقتي الحقيقية في المرحلة الثانوية فقد قيض الله لي معلمة مصرية تدعى «كاميليا» فتحت لي قلبها ومرسمها حتى أقمت أول معرض مدرسي خاص بي كطالبة العام 1404.

تضيف وتقول: (بعد التحاقي بجامعة الملك سعود بالرياض، وفي السنة الأولى، توليت أمر النشاط الفني التشكيلي وطرحت على إدارتها فكرة استضافة الفنانة القديرة صفية بنت زقر لتحدثنا عن تجربتها الفنية، اعتبرت حينها فعالية فنية متفردة وانجازا نسويا مميزا. وقد أنعم الله علي بالتتلمذ على أيدي أساتذة متمكنين لا أنسى فضلهم. منهم: الأستاذ الدكتور محمد عبدالمجيد فضل ود. محمد الرصيص ود. فواز أبو نيان وغيرهم.. أطال الله في عمر من بقي منهم على قيد الحياة ورحم من رحل عنها).

تواصل هناء حديثها وتضيف: (هناك حكمة تقول: «الحياة ليست رحلة للبحث عن الذات، إنما هي رحلة لصنع الذات، فاخلق لنفسك شيئا يصعب تقليده». هذه الحكمة ولدت في داخلي التحدي ما جعلني لا أكتفي كطالبة فن فحسب بل اتطلع إلى لقب «فنانة تشكيلية». بذلت كل ما في وسعي في سبيل ذلك ليشهد العام 1988م – 1409هـ أول مشاركة فنية حقيقية لي مع فنانين تشكيليين وفنانات حيث جمعنا «معرض الرياض الأول التشكيلي» في قصر طويق بالحي الدبلوماسي.

بعدها تواصلت مشاركاتي مع جمعية الثقافة والفنون بالرياض بدعم من زوجي وكان برعاية الفنان القدير سعد العبيد – رحمه الله – وبعده الفنان القدير فهد الربيق ومحمد المنيف وسمير الدهام وعلي الرزيزاء وغيرهم الذين قدموا لنا الدعم للمشاركة وتقديم النصح، ومن ثم تواصلت مشاركاتي الفنية حتى تجاوزت حصيلة مشاركاتي بالمعارض الجماعية الـ 100 معرض جماعي محلي و11 معرضا دوليا.

وتبين هناء سبب اختيارها التصميم الرقمي كموضوع لنيل درجة الدكتوراه وتقول: آثرت البحث في عمليات التفكير عند الفنان أو المصمم الرقمي، فحملت رسالتي لبحث الدكتوراه عنوان «بناء استراتيجية للتصميم الجرافيكي الرقمي في ضوء الاتجاهات الفكرية المعاصرة»، ومرد ذلك هو ندرة المعلومات حول هذا الموضوع حيث تعتبر الدراسات قليلة بالنسبة للفن الرقمي فيما في المقابل كثيرة في عمليات التفكير عند المصمم التقليدي، كما أن المراجع العلمية المتعلقة بالفنان الرقمي نفسه وعمليات التفكير لديه غير موجودة بأي لغة، كان الهدف الأساسي هو الوصول إلى تعريف ابستومولوجي للفن الرقمي ومعايير تقييمه ما صعب مهمة الوصول سريعا لأهدافي مثل غيري لكني والتوفيق الله تجاوزت كل الصعوبات واعتمدت على استخلاص معلوماتي من الميدان ومن واقع المصممين العرب والأجانب لأكون أول باحثة لاستراتيجية الفنان الرقمي ومعايير تقييم الفنون الرقمية، وقد استعرضت في البحث مراحل العملية التصميمية الإبداعية عند مستخدمي الأدوات التقليدية في الرسم والتصميم ومقارنتها مع مستخدمي أدوات الحاسب الآلي لإنتاج صياغات تصميمية جمالية أو وظيفية، وكانت خلاصة البحث أن العملية الإبداعية لا تختلف بين الفنان التقليدي وبين الفنان الرقمي أثناء عملية التصميم، كونهما يتبعان نفس مراحل الاستراتيجية العامة لكنها تختلف في الاستراتيجية الخاصة لكل منهما أثناء مراحل الأداء الثلاث: «قبل عملية التصميم الرقمي، أثناء عملية التصميم الرقمي. بعد عملية التصميم الرقمي»، وتوصلت إلى أن كل مرحلة منها تخضع لاستراتيجية خاصة بالفنان الرقمي تتكون من خطوات تتضمن كل خطوة إجراءات يؤديها منذ بداية عمله حتى انتهائه منها ليعرضها على الجمهور في النهاية، وقد مكنتني هذه الدراسة من استخلاص استمارة تقييم علمية للأعمال الفنية الرقمية تم تحكيمها واعتمادها والموافقة على استخدامها في عمليات التحكيم مما أهلني لترؤس عدة لجان تحكيم مسابقات رقمية محلية ودولية.

وتكشف هناء سر شغفها بالفن الرقمي وتقول: (اعترف أن مرحلة دراسة الماجستير هي التي فتحت لي الباب واسعا للغوص في عالم الفن الرقمي والتعرف على إمكانيات الحاسب الآلي والانطلاق لسبر أغوار هذا العالم، ومع دخول النت في حياتنا والمواقع الإلكترونية تعلمت برامج الحاسب الآلي واكتشفت إمكانياتها الفنية مثل: برنامج الفوتوشوب والكلور درو وغيرها وكيفية استثمارها في رسم ما تمليه علي أفكاري ويصعب تنفيذها بأدوات الرسم التقليدي، حيث وفرت لي أوامر برامج الرسم الرقمي تقنيات تسهّل علي ترجمة فكرتي وتحقيق العلاقات الإنشائية على سطح اللوحة أكثر من الرسم التقليدي وبصورة أوضح، أعني أنني عندنا أرغب في تحقيق طبقات الشفافية أو تكرار المفردة التي تبدأ من الحجم الكبير حتى تنتهي بالحجم الصغير لتنفيذ فكرتي على سطح اللوحة سوف ألجأ للحاسب الآلي نظرا لما قد تستغرقه التقليدي من وقت وربما ينتهي إلى نتيجة لا ترضيني، ومن هنا بدأ شغفي بالرسم الرقمي).

وتبدي هناء رأيها في مقولة «الفن التشكيلي الرقمي، هو فن ذو قيمة استثنائية وابن الفكرة الإنسانية والخيال الواسع للفنان، وليس ابن الصدفة العشوائية» تقول:(هذه المقولة صحيحة رغم تجاوزنا لتكرار هذا القول حيث تحدثت كثيرا عن تاريخ الفن الرقمي وذكر أسماء رواده واستعراض التطورات منذ قيام «مجموعة الفن الرقمي» العام 2008 التي نظمت وقتها محاضرات وأمسيات ثقافية للتعريف بالفن الرقمي وتاريخه، وأخذنا الوقت الكافي لإثبات أن هذا الإنتاج الفني هو محاولة لخلق فن جديد وليس فناً بديلاً أمام المدافعين عن الفن التقليدي والتأكيد بأن الفن التشكيلي الرقمي هو فن ذو قيمة استثنائية وابن الفكرة الإنسانية والخيال الواسع للفنان، وليس ابن الصدفة العشوائية وأن إعداد اللوحة في الفن التشكيلي الرقمي يشابه عملية إعداد اللوحة الكلاسيكية، والفارق الوحيد هو الأداة المستخدمة واستراتيجية الفنان الخاصة.

الآن نحن مشغولون عن تبرير أهمية الفنون الرقمية بما هو أهم وهو ما يحدث الآن من تطورات سريعة بالفنون الرقمية وسرعة اختراع الأجهزة والبرامج الحاسوبية المذهلة للعقل البشري والثورة العلمية التكنولوجية الرابعة في جميع وسائل الاتصال الإلكتروني.

وتستبعد هناء قدرة المتمكّن من الحاسب على صنع لوحة رقمية ما لم يكن تشكيليا وتواصل: (لا أعتقد أنه سيتمكن من فعل ذلك، لأن أداء المصمم كوظيفة وتقديم طلب لزبون يختلف عن أداء الفنان التشكيلي الذي يقدم حسه الفني للتعبير عن مفرداته ورؤيته الفنية المفعمة بالخيال والإبداع.

فكلاهما يمتلك المهارة التقنية لاستخدام أوامر البرامج الحاسوبية لكن الفنان يختلف عن المصمم في التالي:

وعن التحديات التي تواجه عملها كمديرة للتخطيط في جمعية جسفت تقول هناء: (بحمد الله وتوفيقه ثم بفضل دعم بعض الجهات الحكومة وأعضاء الجمعية، حققنا إنجازات كبيرة ونملك الرضا عن مؤشرات نجاحها مقابل ما يصرف عليها بالقليل من المال، وما زال لدينا تطلعات كبيرة تحتاج لميزانية ولا نستغني عن دور وزارة الثقافة المتمثلة في وزيرها الشاب صاحب السمو الملكي الأمير بدر بن فرحان في دعم أنشطتنا وبرامجنا القادمة. وأنا لا اعتبرها تحديات بقدر ما هي غموض في الرؤية لوضع الجمعيات، وأرى أن الميزانية هي أكبر تحد حالي لتنفيذ أهداف الخطة الاستراتيجية للجمعية).

وعن كيفية توفيقها بين العمل التطوعي والمهام الأخرى تقول هناء: (يقال إن: رحلة الحياة الناجحة هي: 20 % مهارة و80 % تخطيط استراتيجي. منذ بداية عملي كنت أخطط للتقاعد من الوظيفة الحكومية وبالفعل تقاعدت مبكرا بعد 23 عاما من الخدمة كان علي أن أنجز كل أهدافي في الحياة أثناء عملي الحكومي لأتفرغ لشغفي فترة تقاعدي، فالعمل الحكومي اعتبره وسيلة وليس غاية، وأرى أني حققت الآن 90 % تقريبا من أهدافي ولله الحمد وهذا ما دفعني لاتخاذ قرار التقاعد المبكر – رغم أني كنت أتقلد وقتها مناصب وظيفية مرموقة – لأكون متفرغة لمرحلة جديدة أتمتع فيها بالحرية ولا تعوقني ارتباطات وظيفية.

ولله الحمد أسست مرسمي الخاص لأتفرغ للرسم شغفي الأول، وتوجهت للعمل التطوعي مع جمعية جسفت وخدمة المجتمع التشكيلي ودعم جيل الشباب. فالعمل التطوعي «هو زكاة عن الوقت والعلم والخبرة» فالله تعالى يقول: «ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم» فهو استثمار للقدرات والوقت وتحقيق بصمة إيجابية بالمجتمع بما يخدم الناس ويرضي الله. فعندما يحب الله الإنسان يسخر له الأسباب لخدمة الآخرين ليكون سببا لسعادتهم ويرزقه البركة في حياته.

وتلقي هناء الضوء على أهم الصعوبات التي يواجهها جيل الشباب من الفنانين وتبين: (جيل الشباب الآن في تحد كبير جدا، فالعولمة الثقافية والثورة التكنولوجية في المعلومات الحاسوبية وفي الفضاء وعلم الأحياء والهندسة والزراعة وابتكار مواد جديدة وبديلة ووجود منصات التواصل الاجتماعي الإلكتروني وغيرها، جميعها انعكست سلباً أو إيجاباً على حياة الإنسان والمجتمعات وأثرت على حياة البشر وأصبحت السيطرة الاقتصادية والعسكرية للدول المتقدمة تكنولوجيا، مما جلب للعالم الحروب والصراعات واختلفت القيم الأخلاقية عند الشباب وأصبح البقاء للأقوى والأجمل والأسرع والأشهر إعلاميا، مما تسبب في بطالة الشباب وجعلهم يعيشون الإحباط والفراغ وأدى للعنف والإرهاب، وتأثر الفنان أيضا ومثال ذلك ما يحدث في مصانع الصين التي جعلت كل شيء متاحا ومتكررا بأرخص الأسعار، فأصبح القليل من الإنتاج الفني هو الذي يثير الدهشة والاقتناء أما البقية فهي تحاول تكرار نفسها وتقلد، مما أحبط الفنان لعدم قدرته على تقديم الجديد الذي يرضي شغفه ويتحمل تكلفته. لكن في المقابل هناك ناحية إيجابية فقد أصبح لديه مواد وأجهزة جديدة تسهل عمله يستطيع أن يبدع من خلالها ويقدم أفضل إنتاج فني).

وتختم هناء حديثها لنصائح تقدمها للفنانين من جيل الشباب وتقول: (في ظل هذه الرؤية الجديدة للمملكة 2030 والبرامج الموجهة للشباب وفي ظل صدور موافقة المقام السامي السعودي «بتوجيه الجهات الحكومية بعدم اقتناء الأعمال الفنية إلا من المواطنين السعوديين»، انتهز هذا المنبر لأتوجه بتقديم وافر الشكر والامتنان لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان على ما قدمه من دعم للفنون البصرية، والشكر موصول لقائد الحراك الثقافي وزير الثقافة الأمير الشاب بدر آل فرحان. أما نصائحي فأنصح الشباب بالعمل على التعليم ومحاولة التفوق العلمي والتكنولوجي والاطلاع على كل جديد.

المشاركة في المناسبات الوطنية والاجتماعية التي تعزز الانتماء للوطن والمجتمع الذي ينتمي إليه والاشتراك بالجمعيات الخيرية والأعمال التطوعية.

القراءة والاطلاع كثيرا عن تاريخ الفن العالمي ومدارسه الفنية وأهمية دراسة تاريخ الفن السعودي وأهم رواده فهم التاريخ الذي يفخر به ويمثل هويتنا الفنية. البحث في الموروث الشعبي وفلكلور المنطقة التي ينتمي إليها وتحليل مفرداته ورسم اسكتشات وتصميم تكوينات زخرفية منها لتكون مصدر استلهام فكري ثقافي.

*الرياض

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق