شخصيات فنية

نصف قرن من الإبداع الجمالي في فنون الأرابيسك

مصر تحتفي بتجربة حسن الأعصر عبر معرض استعادي شامل

تواصل بمركز سعد زغلول الثقافي بالقاهرة المعرض الاستعادي للفنان المصري المخضرم حسن الأعصر، الذي يعد أحد رموز الحركة التشكيلية المعاصرة، حيث أسهم بفنه في إثراء المشهد التشكيلي المصري، ولاسيما في مجال فن الحفر الذي أبرز تميّزه فيه بتقنياته وإنتاجه الفني المتنوّع والثري، مع تعدّد فروع موهبته لتطال مجالات فنية أخرى منها الرسم والتصميم والفوتوغرافيا والنحت والفسيفساء والأرابيسك والجداريات.

يحتفي قطاع الفنون التشكيلية بمصر بالتجربة الفنية الرائدة للفنان المصري المخضرم حسن الأعصر (85 عاما)، وذلك من خلال معرض استعادي شامل لمنجزه الإبداعي الممتد على مدار نصف قرن في فن الأرابيسك والموتيفات الإسلامية والجداريات الفسيفسائية.

معرض قال عنه الفنان مجدي عثمان مدير مركز سعد زغلول الثقافي بالقاهرة، الحاضن للمعرض “هو استعراض لتجربة مميزة ومختلفة، تستحق التأمل والتبصّر، وذلك من خلال أعمال تعرض للمرة الأولى للفنان منذ الخمسينات، ومشروع التخرّج لآخر دفعة دبلوم الفنون التطبيقية، وصولا إلى تجاربه الحديثة، مع مجموعة من التوثيقات لأعمال جدارية داخل وخارج مصر، تشهد له بالريادة في هذا المجال”.

وعن الفنان قال خالد سرور رئيس قطاع الفنون التشكيلية بمصر “هو أستاذ قدير وأحد رموز الحركة التشكيلية المعاصرة في مصر، أسهم بفنه في إثراء المشهد التشكيلي بشكل عام إلى جانب رسالته الأكاديمية التي وهب لها وقته وجهده لنقل علمه وخبراته إلى أجيال متعاقبة.. هو نموذج يحتذى به في شخصية المُبدع الحقيقي ودوره ورسالته”.

وتستعرض لوحات المعرض جانبا مهما من مسيرة الأعصر الفنية الحافلة بالمعارض الخاصة والجماعية، المحلية والدولية، حيث تبرز فيها جماليات التراث والقدرة الفنية على خلق رؤى معاصرة لها. هذا الجانب الذي قال عنه الأعصر في أحد حواراته الصحافية “استفدت كثيرا من الفن الإسلامي واستطعت عبره أن أنتج أعمالا تمزج وتستلهم الفنون الإسلامية والقبطية والمصرية القديمة معا.. هو فن مشحون بالجماليات التي تلهمك كل يوم بمفردات تشكيلية جديدة”.

موتيفات إسلامية

تأثر حسن الأعصر بالشكل الجمالي للحروف العربية وما بها من حركة ديناميكية تساعد في إعادة تشكيلها كعنصر فني ذي جماليات خاصة، وذلك منذ بعثته إلى إيطاليا في سبعينات القرن الماضي.

وهو القائل إن “الفنان المعاصر حينما يتأثّر بالتراث، وخصوصا التراث الإسلامي يدخل مرحلة أساسية من دراسة السمات المختلفة للفن الإسلامي بشكل موضوعي، ثم يبدأ بتأمل تلك السمات والخصائص ويستوعبها جيدا حتى يخرج شكلا مختلفا كل الاختلاف عن الموتيفات الإسلامية، ولا يقع في حيّز تكرار أو إعادة تصوير الفن الإسلامي بشكله الظاهري”. وهو يرى أن الكتابات والحروف العربية تم توظيفها في تشكيلات رائعة الجمال من قبل الفنان المسلم.

ويذكر الأعصر أنه أثناء وجوده في إيطاليا في العام 1970 شرع في العمل على تلك الرموز الخاصة بالخط العربي، فأنتج أعمالا كثيرة في التصوير والحفر لقيت الاستحسان الكبير من الفنانين والجمهور الإيطالي.

ولا ينكر أنه حين بدأ بالاستفادة من الفن الإسلامي والتجريب على تشكيلات من الحروف العربية، فقد أتى ذلك طوعيا، إذ لم يكن في مخيلته البحث عن معنى مقروء لتلك الحروف، وإنما باعتبارها موتيفات في شكل تجريدي بتنغيمات وألوان مختلفة، ولكنها قريبة من ألوان التراث الإسلامي.

وربما هذا ما جعل الإيطاليين يتمعّنون في تلك الأشكال الموجودة في أعماله الفنية المستمدة من الحرف العربي، خاصة وأن هناك فنانا إيطاليا شهيرا اسمه كابو جروسي استخدم أشكالا قريبة من الموتيفات الإسلامية، وقام بتجربة تشكيلية كاملة عليها بعد إعادة تشكيلها وتنظيمها، ووضع القيم الرياضية على تلك الأعمال فلقي إبداعه التقدير والإعجاب، ولذلك عندما شاهدوا أعماله القائمة على البناء الجمالي للحرف العربي، وجدوا فيها رؤية تشكيلية مختلفة عبر أعمال تجريدية تستلهم روح التراث الإسلامي بتكوينات مغايرة.

ورغم مرور نصف قرن على الحدث، ما زال الأعصر يتذكّر كتالوج المعرض الذي حوى عددا من أعمال الحفر اليدوي، التي جعلت الجمهور الإيطالي يطلبون توقيعه على الكتالوج، وهي واقعة لا تتكرّر كثيرا، ما يدل على إعجابهم بتلك الأعمال.

ويشير الفنان المخضرم إلى أن الفن الإسلامي من الفنون الناضجة، ويقول “كل أعمالي تعتبر من الفنون التجريدية، لكن وفق طابع خاص يخدم الجانب الفكري والديني للعقيدة الإسلامية، فالفن الإسلامي له فلسفته التي قامت على عدم التشخيص أو عدم الأخذ المباشر من الواقع كمفهوم ديني يواكب تلك الفترة للبعد عن الوثنية، فلجأت كما لجأ الفنان المسلم إلى التجريد الزخرفي المستمد من الواقع بتصرّف فني وفكري”.

ويضيف “عند النظر إلى أعمال الأرابيسك بتمعن تجدها عبارة عن أفرع أشجار ملتوية وملتفة ومتجمعة مع بعضها بطريقة تعطي الشكل العربي الأرابيسك، وكان ذلك مقبولا ومفضلا لدى المتلقي آنذاك، إلّا أننا تربينا منذ القرن الـتاسع عشر وحتى يومنا هذا على الثقافة الوصفية والشكلية، والفنان لا يستطيع أن يقدّم عملا فنيا يتعامل مع الخيال والفكر ويجمع على تقبّله الجميع”.

بين ثقافتين

لا ينكر حسن الأعصر أن هناك اختلافا كبيرا بين الثقافة الفنية للأوروبيين والعرب، حيث إن ثقافة الغرب تريد دائما أن تعرف المعنى وراء العمل الفني وتسأل: ماذا تقول اللوحة؟ وتحاول تفسير الأشكال الموجودة فيها، وهذا الأمر قد ينطبق أحيانا على الأعمال التي تعتمد على الحروف أو أعمال الخط العربي، حيث يسرع المتلقي في البحث عن معنى الكلمة أو الجملة، معتمدا في شرحها على فكر مسبق، لا يرغب في التجاوب المباشر مع العمل الفني وانتظار ما يبثه من جماليات، ولذلك يقول “نجد أن الفن التجريدي غير محبوب أو مقبول لدينا في البلدان العربية”.

وبالرجوع إلى الفنون الإسلامية، يرى الأعصر أن الفكرة القائلة أن الفنان العربي يخشى الفراغ في العمل الفني مفهوم خاطئ، مستدلا على ذلك بقوله “الفنان المسلم كان يبتكر أشكاله التجريدية بعمل الوحدة الزخرفية والفراغ الخاص بها في الوقت ذاته، وكانت الفراغات للوحدة رائعة الجمال، ومثال ذلك العرائس الموجودة على جامع أحمد بن طولون والتي نجد أن الشكل موجود كفراغ، والفراغ نفسه موجود كشكل، فالفراغ شكل والشكل فراغ، في عملية بديعة ومعقدة في آن واحد”.

مؤكّدا أن “هذا ليس هروبا من الفراغ كما يزعمون، وإنما هو توظيف جمالي له، فأنت حينما تشاهد المشربيات تجد أن الفراغ الموجود فيها شكل، والشكل يؤدّي معنى والفراغ يؤدّي معنى، وهذا يدل على أن الفنان المسلم كان يدرس ويحسب الوحدة التي تكمل الفراغ بشكل جيد، لتكون الوحدة والفراغ مكملين لبعضهما البعض أو متزاوجين في شكل جمالي بديع، ويا ليتنا نتوصل إلى كيفية حساب الشكل والفراغ في العمل الفني، فقد أمضى ليوناردو دافنشي سنوات في دراسة الفنون الإسلامية ولم يستطع التوصل إلى نتائج توضّح كيفية ابتكار الفنان المسلم لتلك الأشكال وكيف كان يستفيد من الشكل والفراغ في آن واحد”.

وحسن أحمد عبدالله الأعصر فنان مصري من مواليد العام 1935، درس في معهد ليوناردو دافينشي بقسم التصوير دراسة حرة مسائية من 1951 إلى 1953، حاصل على دبلوم كلية الفنون التطبيقية في العام 1959، ودبلوم في التصوير من أكاديمية أوربينو بإيطاليا، ودبلوم الدراسات العليا التخصّصية في فن الإعلان وفن الكتاب 1974.

تدرّج أكاديميا حتى رأس قسم التصوير الضوئي والطباعة بكلية الفنون التطبيقية بمصر من 1991 وحتى 1995، كما ترأّس مجلس إدارة أتيليه القاهرة 1995 – 1996، وله العديد من المعارض الخاصة والمشاركات الفنية بمصر والخارج. نال خلال مسيرته العديد من الجوائز منها: الجائزة الأولى في المعرض الأول للفن التطبيقي 1964، والريشة الذهبية من متحف الفن المصري الحديث 2016، وله مقتنيات رسمية ولأفراد من مصر وإيطاليا والولايات المتحدة والإمارات والسعودية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق