أخبار ومعارض

ميساك ترزيان… ريشته الحالمة تحكي لبنان الأخضر

يرفض الرسام ميساك ترزيان واقع لبنان الذي نعيشه اليوم، ويعبر عن رأيه هذا من خلال معرضه «صخور ومناظر طبيعية». يرسم لوحات عن مناطقه التي يحب، تماماً كما يرغب أن يتذكرها، وكما يجب أن تكون. ويقول: «لا أتقبل لبنان اليوم بطبيعته المشوهة وبيئته المهملة، أحب أن أتذكرها نابضة وملونة ومتجددة، يرفض الاستسلام أو الخنوع. من هنا ولدت فكرة معرضي الجديد، فقررت أن أرسم لبنان الذي أحب وأحلم بمساحاته الخضراء التي لطالما تغنينا بها. وتنقلت من شماله إلى جنوبه أمتع عيني ببعض ما تبقى من مناظره الطبيعية الخلابة. حزنت لأن الإنسان خرب طبيعته وتركها منسية، فانطلقت مع ريشتي في مشوار يعيد إلى لبنان أيام العز التي لا أحب أن أنساها».

هكذا يصف الفنان اللبناني مجموعته «صخور ومناظر طبيعية»، المعروضة في «آرت هاوس» في الجميزة. يحكي فيها عن بعلبك وجزين وفاريا وصنين وبالوع بلعا ودوما وبحيرة عميق البقاعية، وغيرها من المناطق اللبنانية، كما رآها صغيراً. فهو منذ ذلك الوقت، تعلق بطبيعة لبنان، خاصة ببلدتي برمانا وجديتا، حيث كان يمضي موسم الصيف مع أهله.

وفي نحو 35 لوحة أكليريك تتوزع على أرجاء المعرض، وعلى مستويات وطوابق مختلفة، يقوم زائر المعرض برحلة خيالية يأخذه فيها ميساك ترزيان على طريقته.

ولمشاهدة هذه اللوحات واستيعاب معانيها كما يرغب ترزيان تماماً، يفيدك بمعلومات ونصائح عليك اتباعها كي تبدو لك محتويات اللوحات واضحة. «ابتعدي قليلاً… حاولي أن تغمضي عينيك وانظري بطرفها إلى هذه اللوحة، ستكتشفين خطوطها الحقيقية. لا تقتربي كثيراً من هذه فستضيعين بوصلة معناها الحقيقي وتصبح بمثابة لوحات تجريدية». هذه المعلومات التي يزودك بها وأنت تتجول في معرضه المؤلف من لوحات ضخمة وقد بيعت بمعظمها، ستلمس جمال طبيعة لبنان عن قرب. ويعلق: «لا يجب أن يُفاجأ الزائر لاستعمالي ألواناً نافرة أشير بها إلى طبقات جبالنا وأوديتنا، وحتى إلى طبيعة صخورنا ولون سمائنا. فهي تعبير غير مباشر عن مدى الفرح الذي يلامسني، وأنا أنظر إلى بلادي، فأتخيلها قوس قزح يمر فوق رأسي».

يغلب على لوحات ترزيان، الأسلوب الفني، المنعتق من ريشة غنية بالخبرة. فهو أقام حتى اليوم أكثر من 80 معرضاً في لبنان وخارجه. ويعتبر الرسم حبه الأول والأخير. لم يمسك ترزيان بريشته كعادته في معارضه السابقة، بل سار بها في خطوط غير متوازية، ولم يعكس عبرها مشهدية معروفة، بل استخدمها للكشف عن طبيعة لبنان الحقيقية، تسلل إلى أعماقها، حلق فوق قممها، فأبهر ناظرها بشجرة زيتون عتيقة زاهية الألوان، وبتاج من الثلوج يكلل قلعة بعلبك، وبطبقات شجرة أرز سوريالية. ويعلق في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «انفصلت تماماً عن مرحلة الرسم السابقة التي خضتها، وقع الطلاق بيننا لأنني أبحث دائماً عن التغيير والتطور».

طبع ترزيان قلعة صيدا بأهمية موقعها. فرغ محيطها من شوائب هندسية لا تليق بها، فأعاد إليها زرقة بحرها، وصور جسرها الصخري المبني على تسع قناطر، تماماً كما كانت في عام 1228 تاريخ بنائها.

ويقول في سياق حديثه: «مغرم أنا بلبنان وبأرضه وبطبيعته، ومع ريشتي استعدت كل هذا الحب له، فسرت معها بين مواقع ومعالم معروفة، بعد أن تمنيت أن تعود إلى واقعها، ألبستها أزياء تليق بقيمتها الأثرية والتراثية. استعدت لبنان الأخضر الذي أهوى. هذا هو لبناني وهكذا عرفته، ولا أريد أن أفقد انطباعي هذا عنه. لا بل أريد أن أوصله إلى جيل اليوم الذي مع الأسف لم يتعرف إليه على حقيقته».

حتى اللوحات التي تحمل صوراً عن طبيعة صخور لبنان، لم يشأ ترزيان أن تبدو جافة أو مجرد كومة أحجار منسية. بل أعطاها حيزاً من المساحة والألوان في إطار فني حديث. ويعلق: «قد يخيل للبعض أن مشهدية الصخور محدودة. ولكني غيرت في خطوطها والتقطتها عمودياً وأفقياً بعد أن اخترتها من صنين».

ومع التعليمات التي يزودك بها ترزيان كي تتلقف لوحاته ومعانيها تماماً كما يراها، تكون قد قمت بنزهة في الطبيعة تحتاج إليها بعد الحجر المنزلي وانتشار الوباء. تشعر وكأنك تلقيت جرعة أكسيجين من هواء نظيف يصل إليك بمساحات لوحاته التي عمد أن تكون أحجامها ضخمة.

ولكن كيف يستوحي تفاصيل لوحاته فيعبر عنها بهذه الطريقة الحالمة؟ يرد في ختام حديثه: «عندما كان بيتهوفن يلمس البيانو لم يكن يفكر بلون أحجاره ونوعية خشبه، بل كانت تجتاحه النوتات الموسيقية فيؤلف سيمفونياته الخالدة».

ـ الشرق الأوسط

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق