حوارات وتحقيقات

“مهيرة” الإماراتي عبدالرحيم سالم تتشكّل من جديد في معرض جماعي

الفنان الإماراتي المخضرم اختطّ تجربة خاصة به تنهل من الكتب القديمة التي لها علاقة بالأساطير والقصص الشعبية*

ضمن برنامجه للفنون البصرية، يحتفي المجمّع الثقافي التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي في قاعات معارضه وافتراضيا عبر الإنترنت على امتداد تسعين يوما، بالتجربة الفنية الرائدة للفنان والنحات الإماراتي عبدالرحيم سالم، وذلك من خلال استلهام جمع من فناني الإمارات والأجانب من شخصية “مهيرة” الأسطورية التي ما انفكّ يشكلّها سالم في أعماله الفنية.

أبوظبي – يشرعُ المجمّع الثقافي التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي في الثاني والعشرين من نوفمبر الجاري وحتى الـ22 من فبراير القادم في تقديم سلسلة من المعارض الجديدة التي تقيمها الدائرة ضمن برنامجها الساعي لإبراز المواهب الإبداعية لمجموعة من الفنانين المخضرمين والناشئين من الإمارات ومنطقة الشرق الأوسط وخارجه.

وينطلق البرنامج مع معرض “عبدالرحيم سالم: بين الصخب والسكينة”، الذي يقدّم نظرة عامة عن الحياة الشخصية والمهنية للرسّام والنحّات الإماراتي عبدالرحيم سالم، وهو من الشخصيات المحورية في تطوّر المشهد الفني الإماراتي.

ويأتي المعرض ليسلّط الضوء على نطاق واسع حول تعبيرات الفنان الإبداعية واستعراض أعماله الرئيسية وسرد أبرز الروايات خلال مسيرته الفنية الطويلة.

صخب وسكينة

يتناول معرض “عبدالرحيم سالم: بين الصخب والسكينة”، تعمُّق الفنان الذاتي في الموضوعات الثنائية التي يخلق كل منها صراعا داخليا يستكشف من خلاله الأساليب التعبيرية التي تتأرجح بين الأفكار التجريدية والتصويرية، وذلك من خلال ستة فصول رئيسية هي: تشكيلات، التدمير وإعادة التشكيل، حوارات ومعاناة وانتظار، تشكيلات مهيرة، أنا وهي، والتفاحة والغراب. وتعدّ هذه من أبرز مواضيع سالم الفنية والمتكرّرة في أعماله.

ويجمع المعرض الثاني الذي يحمل عنوان “مهيرة” مجموعة من فناني الوسائط المتعدّدة والرسم التصويري احتفاءً بأعمال الفنان عبدالرحيم سالم، ويشتركون معا في إعادة تشكيل شخصية مهيرة (ملهمة الفنان والشخصية الرئيسية في لوحاته)، وبثّ الحياة فيها من جديد، حيث يستحضر عشرة فنانين متخصّصين بالوسائط المتعدّدة شخصية “مهيرة” من خلال تكليفهم بإنتاج سلسلة من الأفلام القصيرة عنها، بينما يجسّد 25 فنانا تصويريا هذه الشخصية في لوحاتهم باستخدام الألوان الزيتية والمائية والأكريليك على الكانفاس.

والفنانون المشاركون هم: أحمد الفلاسي، أروى عبدالله السلامي، أسامة أكزوم، بثينة مطر بن لاحج، برنارد جوارت، تشارلي رنا فيلاغراسيا، جاك لي، خالد محمد الأستاد، دانيل ملك، راشد الملا، رندا حدادين، رينالدو تامبونغ، ريما الدبس، ريم المزروعي، سارة العضايله، سالم الجنيبي، سلطان اليافعي، سرّاء عبدالعزيز، سقاف الهاشمي، سلمى البنا، سمير الجابري، شانديب سيت، شينا أجان ماناتوكاندي، عبدالرحيم إبراهيم موسى فرج الله، عبير طباره طوقان، عصام فضل يوسف عقل، علا اللوز، ليودميلا بانينكوفا، لميا الشامسي، مانع المربوعي، محمد الكعبي، مريم البنعلي، منيرة ناجي، ميثاء المهيري وهاجر خالد المسكري.

و”مهيرة” هي الشخصية الخيالية، التي تقول الأسطورة إنها كانت تعيش في الشارقة خلال خمسينات القرن الماضي، والتي استلهمها سالم من قصص التراث وحكايات وأساطير المجتمع لتسكن لوحاته، حيث مثلت مصدرا مهما لأعماله الفنية وعنوانا لشغفه الدائم بتمثّل الخرافة وإسقاطها على منجزه الفني المخصوص له.

وعن “مهيرة” يقول سالم “سلسلة اللوحات التي أنتجتها عن مهيرة، هي محاولة إنسانية صرفة لبعث حكايتها المؤلمة، وتحويل المنسي في هذه الحكاية إلى نمط بصري قابل للتأويل والتفاعل الإيجابي”.

فنان ملهم

في سيرة عبدالرحيم سالم، أكثر من معرض فردي وجماعي في الإمارات والخليج والوطن العربي، وأيضا بأوروبا، لعلّ أبرزها المعرض الذي أقامه في العام 2017 تحت عنوان “إمارات الرؤى” الذي استعاد فيه مهيرة بالعاصمة الألمانية برلين، برؤية أكثر تجريدية مقارنة مع لوحاته السابقة، التي أنتجها بداية في العام 1993، وكانت أقرب للدراسة اللونية والنفسية، واستعادة الملامح الغائبة في حكايتها الغرائبية، والمسكوت عن تفاصيلها.. مرورا بالرمز أو التجسيد من خلال الرمز، وصولا إلى معرضه الشخصي في العام 2013.

معرض قال عنه الناقد الفني عثمان حسن “مكّن المُشاهد من الإطلاع على سحر وفلسفة مزج الألوان المشرقة، حيث يبرز سالم تداخلها باحتفالية تليق بمهيرة، وتحوّل مأساتها، وانكساراتها السابقة، إلى صيغة روحية مستقبلية فائرة ومتوهجة، تتجاوز النكوص والانهزام نحو النهوض والانتصار.. في مقاربة جمالية وفكرية واضحة، وهكذا توالت معارضه التي هي نتاج جهد معرفي وثقافي وفني، بما تطرح من أسئلة وجودية عميقة، تنحاز للحياة والإنسان”.

وبدأ سالم الرسم في عمر 12 عاما، حيث ذهب ضمن أكبر بعثة إلى مصر لدراسة الفن التشكيلي برفقة مجموعة من الرواد التشكيليين في الإمارات.

ومن هناك ارتأى أن يختطّ تجربة خاصة به تنهل من الكتب القديمة التي لها علاقة بالأساطير والقصص الشعبية وذلك لمدة ثلاث سنوات، وربطته علاقة متينة بالفنان الإماراتي الراحل حسن شريف، عبر رحلة إبداعية وثقافية هاجسها تطوير ذائقة الفن الإماراتي، انطلقت من بيت المدفع بسوق الشارقة، بهدف تسويق الفن من خلال ما يُعرف بـ”الصدمة”.

لكن سرعان ما ابتكر سالم تجربته الشخصية بعيدا عن شريف، مرورا بما أبدعه، ولا يزال حتى اليوم، في لوحاته وجدارياته ومنحوتاته، وتفاصيل ألوانه وأفكاره وما تتضمنها من أشكال وانطباعات ومراوحة ما بين التجريد والتعبير، لتأتي في شكل صورة بانورامية، حيث الرسم وحيث مهيرة التي أصبحت أكثر من “موتيف” شكلي، بل حالة إنسانية عميقة، حضرت وتحضر، وما زالت تستعاد في كل مرة، في رسوماته، كأنها تفكّر وتقول.

وحصـل الفنان عبدالرحيم سالم على شهادة البكالوريوس في قسم النحت من كلية الفنون الجميلة، جامعة القاهرة عام 1981. وبعد عودته إلى دبي، بدأ التركيز على الرسم. وعُرضت أعماله الفنية في العديد من المعارض الفردية الإقليمية والبيناليات الدولية، لعل من أبرزها الجناح الوطني للإمارات في بينالي البندقية في نسخته الـ56 (2015) وبينالي الفن الآسيوي (دكا، بنغلاديش، 1995)، بالإضافة إلى نسختي بينالي القاهرة الدولي للفنون (مصر، 1988، 1992).

وحاز سالم على العديد من الجوائز الدولية، منها الجائزة الأولى في بينالي الشارقة (1993)، وجائزة لجنة التحكيم في بينالي القاهرة (1993) والجائزة الفضية في بينالي بنغلاديش (1994)، وجائزة سلطان بن علي العويس (1995) وجائزة السعفة الذهبية لفناني دول مجلس التعاون الخليجي عام 1996. كما عُرضت أعماله في مقتنيات كل من: متحف الشارقة للفنون، مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون وأدنوك في أبوظبي، بالإضافة إلى متحف الأردن الوطني.

alarab.uk*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق