مقالات وكُتاب

معرض وَقْرُ.. قراءة نقدية .. بقلم الفنانة ليلي جوهر

في معرضه ” وقر ” الذي أقيم بجاليري داما أرت بمدينة جدة، قَدَّمَ المبدع السعودي الفنان أحمد حسين الغامدي عروضٌ تشكيلية حَيَوية ومنها ماهو فن الفراغ متنوعة إلى جانب لوحة جدارية في جمالية بديعة من اِلخلفية القماش (الشاش )الابيض ومُثِلَت في تشكيل الطحَالِب التي جففها وألصقها بها ،المُستَّخلصة من طحالب حية تواجدت في ماء الوَقرِ مابعد هطول المطر وفي نهايتها يستقر صخر الوقر ِِملئ بالطحالب الحية كما شاهدناه ، وأدهش الجمهور والزائر بفنه بدءً بالعرض المصور فيديو تم تسجيله وهو في حالة بحث وترحال في اكثر من موقعٍ لبعض مناطق الغربية في المملكة، وأيضا تم عرض مرئي لدورة الحياة الكاملة في الطبيعة والتي تصور الصخور الجوفية تتشكل منها الوقورِ التي تستقر فيها مياه الأمطار ،ونقل سمعاً تتمة للعرضِ عن طريق التسجيل صوت المطر نقرات متتاليةٍ تصبُ في قعر الوقرِ وماهو مذهلٍ بحق الكمية الهائلة لإعداد مُصَنَّعة من مادة تُسمى( الآيبوكسي ) بلغ عدد الحبَات المعروضة كمشهد فني (عشرون ألف قطعة)بيضاء لامِعة بعد قولَبتها حيث صنعها الفنان بنفسه وهو بذلك قام بعمل فني مُستقلٍ أثبت جدارته فيه بحرفية فائقة لدقة الاخراج بعد تصميمها.
تحاكي الكرستالات في تمثيلٍ لقطرات الماء عُلِّقت بواسطة خيوط بلغ عددها (مائة وخمسة عشر ألف )من خلالها تَدلَّت القطرات المتناغمة للمشاهد جسدت مشاهد هطول المطر من علو سقف الجاليري، وتم وضع كمية من الماء في قنينة بلاستيكية مُعلقة من بين القطرات المُصنعة ما أعطى انطباع للتمثل التَساقُطِي الموزون لقطرات المطر،كما أستخدم كمية من الحجارة وأجزاء متفاوتة الحجم للصخور متناثرة تفترش تحتها تُربة طبيعية رملية.
: فَكرتهِ الفلسفية وهي من النقل للواقعية ادرجها كتوضيحٍ كتب عنها التالي
معرض سردي لأحداثٍ من ذاكرة الفنان ..حيث الذاكِرة هي الهوية هي خبرات ومواقف وأحداث..تراكمت مع تراكم الأيام وأخرجها في صورة تفاعلية حية.
أن توثيق التاريخ الإنساني هو ما يُشكِل هوية المجتمع بأكمله ففي يومٍ ما..كان بين المطر والصخر حكاية.. تتَّخلق الأرض لتصنع تجاويف الصخور وتحتفظ بالمطر ِلأطول مدة ممكنة..ثُمَ يأتي الإنسان ليُجرِّب أول أساليب تنقية الماء بأقدام فهمٍ عن التكوين ..هذا المعرض هو إثارة تساؤلاتٍ وفتحِ منافذ ضوءٍ ورسمٍ لنهايات مفتوحةٍ حول ثروة الماءِ (وَقَّرُ).
تميز المعرض الحَيَوي كما أسماه الفنان التشكيلي بمُتعة الفن النابِض بالحياة والحَيَوِية بتمحوره حول رسالة جمالية باهرةً للطبيعة ودورتها المتكاملة مع انهمار الامطار حتى استقرارها في الارض الجدباء وكيفية أحداث تلك الرحلة الفطرية ودوران فصولها الأربعة من السنة تتبعها الفنان خلال بحثه والرصد رحَّال يتأمل ومن ثم التوثيق للمشاهد ، فهو قد سَخَّر فِكرِه وخُلاصة تجاربه وعَرضِه الفنيِّ عَبرَ الخمسة وعشرين عاما المُنصرمة لنرى نتاجه، ونستمتع بمحتوى معرضه الراهِن (وَقر ٌ)علاقة أزلية واقعية المطر المُنهمِر من السماء دورته وتناغمه كمنظومة حياة تتجدد هبة الإله عز وجل من السماء بسخاء رواءِ الأرض ،وحين تستقر قطرات الماء على صخرٍ في وَقرٍ نُحِتَ عبر السنين لِتَدُبَ الحياة في كينونات خُلقِية داخل ذاك الوقرِ من الماءِ وتبدأ دورة متكاملة جديدة ،للإنسان نصيبه الأوفر كبقية المخلوقات الفطرية اللا متناهية.
هذا الفن والإبداع المُبتكر نقل لنا الواقع من منظور مُغاير لِما ألِفناه ! نقلاً محسوسً شاملً عميقً من جماليات وتكامُلٍ، حيث تكشَّفَت لنا ظواهر أكثر إلهام ومُعطيات ترهف الوجدان وترددات لصدى نقرات الماء ومعزوفات الطبيعة الصرفة حين هبوب الرياح مع تساقط المطر بغزارة دلالات ملموسة وسَمعيِة ومرئية، قال :استرجعت الصور من منطقتي الباحة في صغري وأنا أرعى الاغنام واتنقل في الخلاء والمرتفعات وبين الصخور الجبلية ويشدني رؤية تلك المياه وهي مستقرة بها الفطريات والطحالب والحشرات مخلوقات برية مرئية وغير مرئية تستعيد دورتها الحيوية وحيث كان الانسان على فطرته أيضا يصفيها بقطعة الشاش ويرتوي منها . أكد الفنان أحمد حسين في البدء أن هذا المعرض يعني لي الكثير من الموروث المُتأَصِل بداخلي لِقيَمٍ عايشتها منذ طفولتي ،ارعى الأغنام واتسلق الصخور في منطقتي بيئة خصبة غنية الجمال ،أقضي أوقات مُلئة بالقصص والصور الجميلة مع الطبيعة البِكر في جميع الفصول، ويشدني المطر وهذه الصخور ومجاريها للأودية ألتي ارتويت من مائها العذب تأملتها بشغف وتساؤلات مازالت قابعة في الذاكرة ولذلك أظهرتها بعد بحث دقيق في مواقع ومناطق لربوع بلادي وخص في بحثه والتوثيق مقاطع فيديو وتصوير فوتغرافي مناطق من الحجاز الباحة و مرتفعات من وادي نُعمان تكثر فيها الصخور الوقورية ومنطقة تُسَمى (خِشمَه)في محافظة الطائف ومن موقع ( أُم الجُرم ) قريبة من منطقة (الكامِل) ،حيث أكد أن تلك الصخور الجوفية نتاج البراكين وعوامل التعرية الطبيعية وهي تحتوي على طحالب وكائنات دقيقة تحيا خلال تواجد الماء في الوقورِ مدة زمنية تطول ،وعايش الظروف للحالة المطرية قبل وبعد وأثناء هطولها على الصخور ، وأيضا وبحنين سمعي وترّنُمَات أصوات تكرارية ، حين سقوط الماء قطرات من علُّوِ الصخور للأسفل حتى تستقر في جوف الوقرِِ، تصدر خلال ذلك توازن نغميٌ سمعيٌ محبب للنفس وشجي للروح إنها دلالات وتكامل وتتام للعناصر الغنية من حولنا ،والمكونات والقِيَّم في الطبيعة الخلاَّقة.
وبعمق في التجربة والاحترافية في الفن حد الغوص في عُمق العُمق ذاته حفَّز تغذيته البصرية يتأمل المطر منهمر من غيمات السحاب على الصخر وفي الأودية، مع مرور الزمنِ حتى غدت أحواض وَقرٍ وأخاديد لتبدأ دورة حياة جديدة في البيئة، مُشَكِّلة مناخ خاص لمخلوقات مكَّمِلة لنا وللحيوانات والنباتات في احتياجها للماء مايؤكد على انتماء الانسان والوفاء لتضاريس المكان الذي تعايش فيه وتنفس هواه وتغنى به ،وتغذى بصره بجمالياته ،وهذا أنت ذاك الإنسان عُمقِ الحس وصدق المشاعر في تقديمك رسالتك الفنية البليغة.
وبتتبع اثر نتاج الفنان احمد حسين لمراحله الابداعية أرى أنه تَمَيز بالانشغال بالفكرة كقضية ومضمون فلسفي وموضوعي يبنِي عليه نشاطه التشكيلي ويُقدمه لجمهوره عن قناعة وثقة بحرفية متقنة.
ويُعَد الفنان من ذوي الاستقلالية بفكرهم وتجاربهم التي تميزهم،ولديهِ زُخمٌ من العطاء توزع مابين التصوير التشكيلي مابعد الحداثة والرسم والفن كتصوير فوتو غرافي وأرى أنه وُفِق في كلا الاتجاهين، حيث تتمحور تجربته الثرية حول الانسان والطبيعة والطبيعة وظواهرها وتأثيرها وماجادت به عليه كإنسان مُلهم ما انعكس بالإيجاب على إبداعه المُبتكر.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق