أخبار ومعارض

معرض فرنسي يحتفي بتنويعات فن التشكيل الجزائري في الوطن والمهجر

باريس تحتضن معرضا جماعيا حول تاريخ الفن التشكيلي الجزائري يعرض لوحات تعكس مواضيع مجتمعية وسياسية وتاريخية تمثل مدارس وتيارات متنوعة.

تستضيف مدينة مرسيليا في جنوب فرنسا حتى نهاية شهر مايو الجاري معرضا جماعيا حول تاريخ الفن التشكيلي الجزائري، جاء تحت عنوان “في انتظار عمر قتلاتو”، وهو يضم 29 عملا فنيا لمجموعة من الفنانين من الجزائر والجاليات يعكس تاريخ الرسم في البلد منذ ستينات القرن الماضي وحتى الآن.

مرسيليا (فرنسا)- تحت عنوان “في انتظار عمر قتلاتو”، المستلهم من عنوان كتاب للمحامية والكاتبة الجزائرية وسيلة تمزالي، تُواصل مدينة مرسيليا (جنوب فرنسا) عرض مجموعة من اللوحات التي تلخّص تنويعات الفن الجزائري في الوطن والمهجر منذ الاستقلال.

وكان من المفترض أن يضم المعرض الذي أقيم قبلا في غاليري “والاتش آرت” في نيويورك 32 عملا يعود أقدمها إلى العام 1965. لكن جائحة كورونا والقيود الهادفة إلى احتوائها في فرنسا حرمت الجمهور من الاطلاع حضوريا على الأعمال المعروضة في مجمّع “فريش دو لا بيل دو ميه” الفني والثقافي في مرسيليا، وهي مساحة واسعة تجمع بين أماكن العمل الفنية والثقافية، وقاعات الأداء والمعارض.

وذكّرت القيّمة على المعرض ناتاشا ماري لورنس بأن “لجزء مهم من حاضر مرسيليا وتاريخها ارتباطا وثيقا بالجزائر”.

لكن مركز الفن المعاصر “تريانغل استيريد” الذي يقف وراء هذا المعرض الفريد من نوعه في فرنسا وفّر بديلا من الحدث الحضوري – مفتوح فقط للمهنيين وليس للجمهور – إذ أتاح زيارة المعرض افتراضيا عبر موقعه الإلكتروني.

وتقدّم الأعمال المشاركة نظرة بانورامية حول حضور الفنون التشكيلية بالجزائر وبلدان الشتات، وهي تمثل مدارس وتيارات متنوعة كالتجريدي والواقعي، كما تعكس مواضيع مجتمعية وسياسية وتاريخية مختلفة.

ومن الفنانين الذين تُعرض أعمالهم في هذه التظاهرة، تحضر لوحات كل من قادر عطية وجمال طاطاح وفيصل بغريش ومحمد خدة وفلة تامزالي طاهاري، بالإضافة إلى محجوب بن بلة وهلال زوبير وباية محي الدين. والأخيرة تحضر في المعرض بأكثر من لوحة سريالية تعكس مدى تطوّر فن هذه الفنانة الجزائرية التي ألهمت بابلو بيكاسو.
فما بين عامي 1948 و1952، عملت الفنانة الجزائرية الراحلة جنبا إلى جنب مع الفنان الإسباني الذي قال إنها كانت مصدر إلهامه في إنجاز سلسلة رسوماته الشهيرة “نساء الجزائر”. وهي التي نالت لوحتها “امرأة وعصفور في القفص” شهرة واسعة.

ويقدّم قادر عطية الفنان المُدافع عن المُهاجرين بعضا من أعماله المفاهيمية التي تنتقد آثار الكولونيالية على الشعوب العربية والأفريقية، ويمكن النظر إلى الأعمال التي ينجزها الفنان كونها تتناول القضايا الفلسفية والهندسية والنفسية، فهو ينظر إلى هذه الثلاثية على أساس أنها المحور الذي تدور حوله حياة البشر، لذا تناول في أحد أعماله موضوع تقبّل فرنسا الثقافات المختلفة أكثر فأكثر، منذ أن ولى عهد الاستعمار ونالت الجزائر استقلالها.

ولكنه يسلّط الضوء أيضا على ضيق النظر الذي يميّز المجتمع الفرنسي الحالي والمؤدّي إلى التطرّف في أشكاله وألوانه المتعدّدة، وكذلك على ضرورة الحوار مع الآخر كحل مثالي للمشكلات الراهنة.

وإلى جانب لوحات محي الدين السريالية والأعمال التجهيزية لعطية تحضر لوحة للفنان الراحل محجوب بن بلة المعروف بتوظيفه للخط العربي في أعماله مع تفكيك مُمنهج للخط القديم لخلق عالم خاص به يتّخذ من التميمة وألواح الكتاتيب وقصاصات الجرائد القديمة والرمز موادا لإعادة بعث عالمه الشرقي ومزجه بالفن الغربي، كما تحضر أعمال أخرى راوحت بين الفسيفساء والجداريات لبعض الفنانين الشباب من الجيل الثاني للهجرة.

وعن مشاركتها في المعرض اعتبرت الفنانة الفرنسية -الجزائرية هاليدا بوغريط التي ولدت في مدينة لنس لوالدين جزائريين مهاجرين في العام 1980 أن “مشاهدة عمل فني بالطريقة الرقمية لا تشبه إطلاقا مشاهدته حضوريا”، وأضافت “لكن لا بأس بأن نستخدم ما بقي لنا اليوم، وهي الوسائل الافتراضية، لنكون قادرين على تمكين أكبر عدد ممكن من الناس من أن يكتشفوا على الأقل هوية كل فنان، أو عمل، أو مفهوم”.

ومع أنها تردّدت لفترة من الوقت للمشاركة في معرض يتمحور حول بلد معيّن، فهي في النهاية سعيدة بأن تكون إلى جانب “أفضل الفنانين الجزائريين” ضمن مجموعة تظهر التنوّع والسعي إلى الحرية.

وشدّدت على أن “هذا المعرض لا يتناول القومية، بل على العكس، يتناول المنفى، والتحرّر، والسياسة، والعواطف الشخصية والإنسانية، إنه أمر رائع، حيث تتلاشى الحدود”.

وصوّرت بوغريط في “جثة الجماهير” بالحركة البطيئة، عائلات من منطقة سان دوني في ضاحية باريس، وهي تُعانق بعضها بعضا في تعبير عن الذاكرة العاطفية قبل الانفصال. وتُظهر المشاهد التي تم التقاطها في متحف يول إلويار للفنون والتاريخ في سان دوني، بالضوء الطبيعي، جمال الروابط الإنسانية، ولكن أيضا هشاشتها. وأبدت الفنانة الجزائرية – الفرنسية اعتزازها بأن تُعرض أعمالها إلى جانب أعمال باية محي الدين الملونة والشبيهة بالأحلام.

الأعمال المشاركة في المعرض الجماعي تقدّم نظرة بانورامية حول حضور الفنون التشكيلية بالجزائر وبلدان الشتات

أما لويزا باباري التي تعيش وتعمل بين الجزائر وباريس، فتقدّم في المعرض عملا يستحضر بطلة الاستقلال جميلة بوحيرد التي تعرضّت إلى التعذيب وحُكم عليها بالإعدام “بسبب أعمال إرهابية”، ثم أفرج عنها في نهاية الاستعمار الفرنسي عام 1962. وبعد غيابها عن الأضواء إثر الاستقلال، شاركت الناشطة السابقة في مسيرات الحراك الأسبوعية، في لفتة شديدة الرمزية، ومنها أخيرا في مناسبة يوم المرأة العالمي.

وذكّرت باباري بأن “حضور النساء كان دائما قويا في التحركات الاحتجاجية الجزائرية”. وهي في عملها التجهيزي جعلت ابنتها البالغة ست سنوات تسمع مقتطفا من كتاب بعنوان “من أجل جميلة” كتبه المحامي والناشط الفرنسي جاك فيرجيس، الذي دافع عن بوحيرد في خضم الحرب.

ويُتيح المعرض كذلك اكتشاف إبداع الفنانة الشابة سارة صدّيق المقيمة في مرسيليا، والتي تعتمد على العالم الغرافيكي لألعاب الفيديو لتروي تطلعات الشاب زين المنتمي إلى الأحياء الشعبية.

ومن خلال عمل هو عبارة عن ورق حائط فسيفسائي بعنوان “لا للغاز الصخري”، يروي الجزائري مراد قرينة نضالات الشباب من أجل البيئة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق