شخصيات فنية

محمود سعيد.. الأرستقراطي الذي شكَّل عالمه الأسطوري من قلب البيئة الشعبية

انشأ الأمير يوسف كمال مدرسة الفنون الجميلة، والتي افتتحت رسميا في 12 مايو من عام 1908، وبدأت بمجموعة من الأساتذة الأجانب، وكانت أولى ثمارها مجموعة من المصريين أبدعوا فناً ذا قيمة عالية وشكلوا دعامته بدورهم الأساسي في التعبير عن الوجدان المصري وخلق الشخصية المصرية في الفن الحديث، وشمل المصورين أحمد صبري ويوسف كامل ومحمد حسن وراغب عياد مع محمد ناجي ومحمود سعيد اللذين درسا الفن دراسة حرة.

رغم تأثير الثقافة الغربية على الفنان الرائد محمود سعيد وإطلاعه الواسع على فنون الشرق والغرب إلا أنه استطاع أن يكون علامة مهمة من علامات الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، حيث انفرد في فنه بأسلوب خاص واضح السمات يميزه بين أقرانه بعد تمسكه بالفن الذي سيطر على كيانه فوقع أسيراً له وجعله يتخلى عن وظيفة القضاء التي ظل يمارسها 25 عاما ووصل فيها إلى منصب المستشار خضوعا ونزولا على رغبة والده محمد سعيد باشا – الذي كان رئيساً للوزراء في ذلك الوقت وأسرته الأرستقراطية.

ولد محمود سعيد بالإسكندرية في أبريل عام 1897 وتوفى بها في نفس يوم مولده عام 1964 ونشأ منتسبا إلى العائلات النبيلة والأرستقراطية، وعاش في قصر والده ناظر النظار ورئيس الوزراء، ومحمود سعيد خال الملكة فريدة ابنة أخته زينب هانم، وقد ولدت صافي ناز ذو الفقار (الملكة فريدة) بالقصر نفسه، ولما أتم السابعة من عمره التحق بمدرسة فيكتوريا ثم الجزويت حتى سن الحادية عشرة، ومن شدة عناية والده به ورعايته له وفر له مدرسة خاصة بالقصر بين عامي 1910 و1914 استقطب فيها نخبة من الأساتذة قاموا بالتدريس وفق مناهج المدارس الحكومية ليحصل على شهادة الكفاءة عام 1912 ويلتحق بالمدرسة السعيدية لينتقل بعدها إلى الإسكندرية بعد اعتزال والده رئاسة الوزراء ليلتحق بمدرسة العباسية والتي اشتهر فيها بين أقرانه بميله إلى الرسم وحبه الشديد له، حتى أنه رسم استاذ اللغة الإنجليزية على السبورة بخطوط كاريكاتورية في فترة الراحة بين الدروس.

حصل محمود سعيد على البكالوريا عام 1915، في هذه المرحلة كانت بدايات ظهور موهبته وميوله للرسم حاول بعدها أن يتخصص في الفن بالدراسة لكن التقاليد والمناخ الأرستقراطي حالا دون ذلك، لتكون المراسم الأجنبية الخاصة المنتشرة في الإسكندرية ملاذه حيث التحق عام 1912 بمرسم الفنانة الإيطالية «كازاتودي مورينو» والتي يعتبرها أول أستاذ له في الفن، ثم مرسم الفنان «أرتوروزانيري» عام 1916 وهما من خريجي أكاديمية الفنون بفلورنسا. يخضع محمود سعيد لرغبة والده ويسافر إلى باريس في سن التاسعة عشرة ويحصل على ليسانس الحقوق عام 1919، ولأن الفن يجري في عروقه انتهز فرصة إقامته في باريس ليتعرف على الفن الحديث من خلال زياراته للمتاحف، وبعد تخرجه سعى إلى الدراسة الحرة للفن فالتحق ولمدة عامين بمرسم الكوخ الكبير الذي أسسه المثال الفرنسي «أنطون بورديل» ثم التحق بأكاديمية جوليان بباريس لمدة شهر، وتتلمذ على يد «بول ألبير لورانس»، وقد كانت جولاته في أوروبا أثناء دراسته وحرصه على مشاهدة أعمال فنانيها في المتاحف هي اللبنة الأولى في تكوين أسلوبه الفني والذي ظهر في أعماله المبكرة، وجاء هذا الاهتمام بالفن دافعاً لغضب والده الذي بادر بتعيينه كمساعد للنيابة بالمحاكم المختلطة بالمنصورة عام 1922 ولم يعارض الابن رغبة والده احتراما وحبا لأسرته وظل في صراع داخلي بين ميوله الفنية ومهنة القضاء إلا أنه أدى مسئوليته تجاه المستوى الاجتماعي للأسرة في كبح جماح طموحاته الفنية داخل نفسه إرضاء لأسرته، فيعطي وظيفته جهدا واهتماما لينتهز الوقت المناسب ويتفرغ للفن ويهجر المهنة بعد أن تدرج فيها ليصل إلى منصب المستشار في الثلاثينيات وهو في سن الخمسين لتهدأ نفسه من هذا الصراع الداخل ويتضاعف إنتاجه الفني ليصل إلى أكثر من 14 لوحة في العام الواحد. لقد تشكل محمود سعيد في مناخ ثورة 1919 سنة حصوله على ليسانس الحقوق تلك الثورة التي ألقت الضوء على طبقات الشعب المصري لتكتشفها الطبقات الأرستقراطية التي كانت ينتمي إليها الفنان وينعم فيها برغد العيش، ورغم ذلك اتجه نحو تلك الطبقات الفقيرة متعاطفا مع أبنائها، يعبر في أعماله الفنية عن بيئيتهم وشخصياتهم ليرتفع بهم ويمنحهم دور البطولة مكتشفا الجماليات الكامنة وراء الشكل، واشتهر محمود سعيد بأعماله التي رسم فيها بنت البلد وبنات بحري اللاتي يمتلئن حيوية وجمالا وأنوثة طاغية ويظهر ما يمتعن به من ملامح وقسمات شرقية وشعبية جذبت انتباهه وإعجابه وتأتي الفتاة «هاجر» لتحتل ملامحها أغلب نساء لوحات محمود سعيد وهي التي نزحت من قلب الأحياء الشعبية، تماما مثل الفتاة السمراء «حميدة» التي جاءت بعدها وأصبحت النموذج المثالي للفنان وملهمته هروباً من برودة الألوان في السكون الأرستقراطي ليلجأ إلى السكون المثير في بنت البلد. تقول حميدة: «كنت جميلة سمراء رشيقة مملوءة صبا وحياة في السادسة عشرة من عمري، أصبحت «موديلاً» لمحمود سعيد فأفنيت صباي على مهنة الموديل- الشخص الذي يرسمه الفنان – حتى استطيع مساعدة أسرتي الفقيرة، كنت أجلس أمامه سبع ساعات يوميا وكان يستغرق في اللوحة الواحدة من أسبوع إلى ثلاثة أسابيع كان دقيقا في مواعيده، جاهزا بألوانه وفرشاته – عندما كنت أجلس ليرسمني كنت أحس بالزهو والفخر لأنني كنت أرى نفسي بعد ذلك في لوحة جميلة». وقد رسم محمود سعيد حميدة في العديد من الأعمال في أوضاع وملابس وتكوينات مختلفة تحمل الروح المصرية في عالم أسطوري خاص لا تخطئه العين، وكذلك «نبوية» فقد كان ميله نحو الجو الشرقي في البيئة الشعبية وحياة البسطاء واضحا.

إن محاور إبداع الفنان محمود سعيد تتمثل في لوحات الصورة الشخصية والعاريات والعادات والتقاليد الشعبية والمناظر الطبيعية المتمثلة في البحر والريف، فالصور الشخصية رسمها للأطفال والنساء والرجال، وكان يدرس ويحلل الشخصية، من هذه اللوحات: ذات الهفهاف الأسود (1936) وذات الأساور الذهبية(1946) وذات الوردة (1950) كما رسم أفراد أسرته: والده وكذلك زوجته في العديد من اللوحات في أوضاع وتكوينات متنوعة احداها بالقبعة كما رسمها بالشال الأخضر عام 1922، وكذلك رسم ابنته «نادية» ورسم نفسه أيضا في لوحات عديدة، وكان يهتم في الكثير من لوحات الصور الشخصية بالخلفية ذات البعد المنظوري وكانت تتسم بالوجوم والشجن.

أما في مجال العاريات فرسم محمود سعيد «عارية على الوسائد» و«عروس البحر» (1932) والمستحمات، وكان يستخدم الألوان النحاسية في الجسد والتي يستمدها من درجات البني ومشتقاته، وفي مجال العادات والتقاليد الشعبية والتي استمدها من البيئة الشعبية التي نشأ فيها على سماع صوت المؤذن للصلاة ونداءات الباعة الجائلين، رسم «صلاة الجمعة» و«المقريء» و«زيارة القبور» و«حلقة الذكر» و«الزار» و«السوق» و«بنات بحري».

أما المناظر الريفية ومناظر البحر والصيد فكانت من شواطيء الإسكندرية ومرسى مطروح والطبيعة في لبنان. يميز إبداع محمود سعيد بساطة التكوين وكثافة الألوان والظلال التي تؤكد أسطوانية الأشكال والمبالغة في الإضاءة التي تظهر استدارة الأعضاء حينما يرسم بنت البلد وبنات بحري لتبدو كأنها منحوتات غائرة وبارزة.

ولتكريم الفنان الرائد محمود سعيد أقامت وزارة الثقافة في مصر متحفا باسمه «مركز محمود سعيد للمتاحف» بالإسكندرية في قصر والده ضم أعماله التي كانت تقتنيها وزارة الثقافة ويضمها متحف الفن الحديث ومجموعة من أسرته، ويعتبر المركز بؤرة إشعاع ثقافي يقيم الأنشطة والندوات وورش العمل الفنية التي تخدم الحركة التشكيلية.

*بوابة الأهرام

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق