أخبار ومعارض

«ما يهمني الآن»… تأملات فنية مشغولة بأثر الوقت والحياة

«صالون الشباب» المصري يضم 152 عملاً متنوعاً

يظل صوت عقارب الساعة عالقاً في آذان زوار «صالون الشباب» في مصر، فدلالاتها الزمنية والانفعالية لا يمكن تفاديها بكل ثقلها وجنونها، ولعل هذا هو أحد الانطباعات التي يدخرها «صالون الشباب» في دورته الـ31. الذي ينظمه قطاع الفنون التشكيلية في مصر ويستضيفه قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية في القاهرة.

يعد «صالون الشباب» أحد أبرز الأحداث الثقافية التي تجمع عدداً كبيراً من المشاركات البارزة لشباب الفنانين في مصر، ويعد مؤشراً كاشفاً لجديد الحركة الفنية واتجاهاتها، ويحمل عنوان «صالون الشباب» هذا العام عنوان «ما يهمني الآن»، وهو عنوان نافذ يطرق مباشرة على باب الوجدان، مؤلباً داخله الأفكار، ودافعاً للتساؤل عمّا يهم حقاً في تلك اللحظة المجردة من الماضي بحموله، والمستقبل باحتملاته اللانهائية، تلك اللحظة التي تتعدد باختلاف الأعمال التي تبلغ 152 عملاً فنياً في مختلف مجالات الفن التشكيلي ما بين نحت وتصوير ورسم وغرافيك والتجهيز في الفراغ، مروراً بفنون الميديا والفنون الرقمية.

تقول الفنانة أمنية محمد سيد: «ذاتي هي ما يهمني الآن»، وهو ما يعبر عنه مشروعها المشترك مع الفنانة فاطمة الزهراء سامي «مواجهة»، والحاصل على جائزة الصالون فرع الـ«فيديو آرت»، يجتذبك المشروع بداية من صوت نبض القلب الذي يصدح في قلق ويجبرك على التوقف لمشاهدة المشروع على شاشة العرض، فالقلب النابض يخص فتاة مستلقاة أسفل شجرة يمر عليها الوقت وهي لا تغادر مكانها، ممزقة بين نبض القلب ومرور الساعة، ومع كل لحظة تتبدل ملامح وجهها التي تظهر كاسكتشات متباينة الانفعالات، تقول أمنية في كلمتها لـ«الشرق الأوسط» إنّها حاولت خلال المشروع التعبير عن مشاعرها بأنّها ثابتة في وسط زمن وأحداث متلاحقة، هذا الثبات الذي تغمره انفعالات متناقضة، كانت قد رسمتها خلال فترة عزلة «كورونا» عبر قيامها برسم «اسكتشات» لنفسها، وتضيف: «فكرنا أنّ تقنية الفيديو آرت ستكون الأكثر استيعاباً لفكرة المشروع، خصوصاً أنّ التحريك الذي يتيحه جعل تعبيرات الوجه تظهر في تتالٍ يخدم فكرة مرور الوقت، مع محاولات الذات فهم تلك التغيرات المتلاحقة».

خلال الجولة سيباغتك سؤال مكتوب بحروف بارزة على حائط «ماذا لو أعطيتك جزءاً مني حتى لا تموت؟» سيدفعك السؤال الشاعري لتتبع الفراشات التي تُحلق حول السؤال المصنوع من حروف خزفية، وصولاً لتكاثر الفراشات المجسمة حول سمكة كبيرة مبقورة البطن، ومن قلب جسدها نبتت نبتة صغيرة، تجعل الفنانة إيمان الشقيري صاحبة هذا المشروع الخزفي، من تلك اللقطة مدخلاً للتعبير عن «الألم» وما يمكن أن ينبعث من أعماقه من جمال غير متوقع، تقول إيمان الشقيري لـ«الشرق الأوسط» إن هذا المشروع يحمل إسقاطات عن تجربتها الذاتية مع الألم، وتزامن ذلك مع عثورها على صورة فوتوغرافية لسمكة ميّتة تحوم حولها الفراشات بكثافة لتتغذى على جسدها الغني بالمعادن المفيدة لحياتها، وهي اللقطة التي حرّكت داخلها مشاعر فنية، مبطنة بفلسفة الألم، والحياة التي دائماً تسكن الموت، تقول: «استعنت في التصميم بالخامات الأرضية ممثلة في الخزف، وتقنيات مثل التدخين والاختزال، واستعنت بالنبات الطبيعي لخدمة المفهوم الرمزي للمشروع»، وتضيف: «الطبيعة هي دائماً الملهمة الأولى للفنان، أياً كانت مدرسته الفنية، ومهما بلغ من تطرف في الحداثة أو التجريد».

ما بين العزلة وتأملات الوجود، تقبع الكثير من الأفكار في الصالون، وكذلك الانفعال بتأثيرات المدينة، وما تخلفه من قبح، تسعى بعض الأعمال لمحاكاتها بأسلوب تعبيري ناقد، كما يطرح الفنان مصطفى محمود عامر في مشروعه «رماد العاصمة» وهو في فرع «التجهيز في الفراغ»، وفيه استعان بوسيلة المواصلات الشعبية «التوك توك» وهي في هيئة «الخردة» وكأنها أطلال تروي سيرة زحام المدينة.

وتعيد بعض المشروعات استخدام المواد المهملة، كرموز وتقنيات تحمل فلسفتهم الفنية، كما في مشروع الفنانة هند نبيه، التي أسست مشروعها بالاستعانة بأزرار لوحات مفاتيح لأجهزة حواسب آلية قديمة، وقامت بتقنية أقرب للموزاييك، في ترتيب الأزرار بلونيها الأبيض والأسود في تكوين جمالي يجدد الدهشة في الطاقات الجمالية الكامنة في الأشياء المهملة.

كانت جائحة كورونا قد حالت دون انعقاد «صالون الشباب» في موعده العام الماضي، في مواكبة مع قرارات الحكومة المصرية آنذاك، ولا تزال أصداء الجائحة وانفعالاتها تسود أعمال هذا العام، وسط لوحات تسودها كمامات وأجهزة تنفس من جهة، وانعكاسات لأثر البيوت وكنفها من جهة أخرى.

*الشرق الأوسط

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق