شخصيات فنية

ليلى جوهر -قراءة نقدية.. “الغيوم والسراب ثيمات من ترانيم الجمال في لوحات الفنان أحمد الخزمري”

يؤكد الفنان التشكيلي المبدع أحمد الخزمري مستشار ورئيس الفنون التشكيلية بجمعية الثقافة والفنون في جدة على ما ذهب اليه هيدجر في فلسفته اتجاه الطبيعة والفن، أن الصراع الذي تثيره الطبيعة ضد الفنان بغموضها وتحديثها وخفائها ما هو إلا استفزاز إيجابي لدفع الإنسان للبحث والجهد عند الممارسة والابداع من أجل الكشف عن الحقائق الجمالية غير المرئية .
وهذا ما جعل الخزمري يمضي بفطرته بدء بالواقعية حتى التجريدية في اتجاهه الفني نحو الفضاء والطبيعة مُكملان الجمال.
منظر السحاب والضباب الكثيفة التي تزاور تضاريس المكان في جميع الحالات ، ترسم في عنان السماء أمام ناظريه اشكال يقراءُها كيفما تشكلت له منذ الطفولة ،وكبرت تلك التشكيلات والصور معه وترسخت في ذهنه وغدى الفضاء لايتسع لحلمه الاكبر فحسب بل لطموحه بالتميز ،أن يغدو رسام يرسم تراث الأجداد ويوثق العادات بالمجتمع وما يفتخرن به النساء من أصالة وقيم الموروث الشعبي في لباسهن وزينتهن ، حيث شغرت المرأة جزء من حياته ورسالته الجمالية كما افصح عن ذلك في أحد حواراته الأنثى مُلهم لي فالفن لا يأتي من فراغ . ولذلك حين عبرَّ الفنان عن شعوره استند على مخزون استقاه من واقعه الخصب ووجد كمبدع تنوعٌ قيِّم ومتجدد يستلهم منه مواضيعه فجمع مابين الرمزية والتعبيرية في تجريد يصوِّغ من خلاله أغلب لوحاته بمراحل فنه وبعد تجاوزه للظواهر الشكلية في الطبيعة خلُصَ بنتائج مبتكرة التوظيف كما في نتاجه المتقدم حيث السراب والغنام يلتقيان في تصوير مستلهم من الطبيعة العالقة في ذاكرته لأحداث مضت ،واستخدام خامات ووسائل تقنية متنوعة كالعجائن والخيش ومادة(الجسو)تظهر البروزات الملمسي للوحة وتُعينه على التعبير.شاهد معرضه الثاني حنين٢٠١٦ أقيم بجاليري نايلا مُلا بالرياض
انتقاء عناصره اللونية المتعددة والقوية تؤكد عمق دراسته العصامية وثقافته المكتسبة من خلال الاحتكاك الدائم بفنانين الساحة التشكيلية في بيت الفنانين التشكيليين وجمعية الثقافة والفنون بالباحة سابقا،ومن خلال الانشطة والفعاليات التي يشرف عليها بالجمعية الوقت الراهن في جدة والورش والتنظيمات للانشطة التشكيلية، العنصر اللوني لعبته الازرق والأحمر والاصفر كأساسيات والأخضر والترابيات والاصفر المُشع بتدرجاتها موظف اللون الابيض للتضبيب وتكوين السُحب والغمام كما في لوحته غِمَام مجموعة متكاملة من معرضه الثالث الغمام أقيم بجاليري نسما للفنون في جدة عام ٢٠١٧م
أحمد الخزمري تميز بالانتماء القوي للبيئة في منطقة الباحة الجنوب الغربي من المملكة حيث تربي وترعرع في جوٍ معتدل صيفٍ صاعق البرودة شتاءً آسر الطبيعة ربيعًا ما اثر على أسلوبه ورؤيته بشاعرية ونسقٍ تجريدي ،ويعمد على تعدد الاشارات الدالة وتمتاز لوحاته ببناء خطي رقيق من اللون أفقي أو رأسي ولاتخضع لوحاته للتخطيط المبدئي (الاسكتش)يكتفي بالفكرة التي تراوده ومن ثم يتحرر دون قيدٍ ،وبرجوعنا للتجريدية مابعد التكعيبية التي تخلصت من البناء الشكلي لوجدنا هذا الاتجاه هو ما أقام عليه المبدع احمد الخزمري تجربته الراهنة وهذا التوظيف يجزء العناصر إلى مسارات متداخلة من الألوان المتراصة وتتراكم بالتتالي وكأني انظر لعدة لوحات في لوحة يرجع ذلك لتدفق الرؤية من مخيلته بصورة متتالية وبنغمات تجعله يتخطى مساحته الذهنية التي يشتغل عليها مختزلا الصور ،ويقفز بمخيلته صعود وهبوط مايجعل المشاهد يقراء عدة مضامين واتجاهات في اللوحة مع الحفاظ على صفاء اللون ونقائه، ساهم ذلك التنوع تغذيته البصرية لجماليات المكان واكتسابه مخزون غني من لفن الشعبي الاصيل والموروث في مظاهر متنوعة المناسبات والبناء المعماري القديم والزخرفي البديع،يمثل اعتزاز لذاته مجردً من الشكليات ومشتغل على المساحات اللونية ،و من خلال الابداع والرسم المتواصل يشهد نتاجه الغزير مدى استمراريته في تطوير أدواته وتنوع ثقافته، ولقد تخطى حدود الظواهر وصعد بفكره و روحه متبصرً في جماليات الطبيعة من اشجار ومروجٍ خضراء وزهور برية متنوعة تتخللها الغيمات واحساس أجواء شتائية عاشها.
الملاحظ لنتاج الفنان أنه يعمد على التشكيل الذهني لفكرته باسلوبه الذي يرضي ذاته المتمردة على قانون الظواهر والانجراف خلف غايته من الفن ومنهجه الخاص،فالفنان الذكي هو الذي يستوحي من محيطه مايؤثر في النفس لدى الناس ولا يتوقف عند ماتراه العين بل ماتبصره الذات من جوهر،كما أنه فنان ذو طاقة فذة حيث يواكب المستجد من الحدث والفعاليات فيرسم للوطن بحب وفخر كما هو مبدع للطبيعة .
و من خلال نتاجه في عام ٢٠٢١-٢٠٢٠م
تاكد لي هذا النسق المتتالي في منظومته الكاشفة عن مرحلة النضج ببلوغه ذروة الخبرة والتجربة الإبداعية،كما في مجموعة أعماله في المنتقاة من مقتنيات صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز سلمه الله، حيث اتسمت جميع الأعمال بالاتزان في البناء والمعالجة بتقنية مقنعة للمشاهد ،وباعتماده الالوان الخضراء وتدرجات الازرق والزيتي كخلفية والتركوازي منها والارجواني والموف وسط مساحات من الغمام المُضبب متقدمة للوحة بتناسق متناغم برز جماليات الموروث،إن اسلوب الفنان أحمد الخزمري يكشف عن صياغة تتجدد وعن اندماج عاطفي ووجداني واضح بقدر تنوع مضامين الأعمال مع ضربات فرشاته الثورية ماجعلني اتذوق استيطاقية ذلك الشعور الذي يرضي شغفه.
(الاستطيقا ) وتعني في مفهومها جمالية الفن النابع من ذات الفنان ،لذا لا بد من ادارك ماهية الفن والطبيعة في جوهرها العميق لدى الفنان حتى تتأرجح لديه الافكار ويعلو الاحساس وتستقر قناعته فيأتي بنتاج مبهر واسلوب يحمل توقعيه كماهو الحال مع المبدع أحمد الخزمري ،وكما ذهب إليه (سانتيا)في فهمه لفلسفة الجمال ان الطبيعة موضوعها لايكتمل بدون النظر إلى الحكم على الفن من تجربة الفنان الذاتية وتتنوع أحجام ومقاسات اللوحات فلديه القدرة والتمكن لرسم قياسات كبيرة جدا حيث يشتغل على عناصر اللون بحرية واستمتاع وهذا الملاحظ في معظم نتاجه لمعارضه الشخصية .
والجدير بالذكر الفنان السعودي أحمد الخزمري يُعد من جيل الرعيل الثالث في الساحة التشكيلية السعودية ويرى في الفنان الرائد طه الصبان قدوته وتأثر به بدء تعاطيه للرسم باسلوبه وعصاميته ،وهو من مواليد مدينة الباحة،الصفح،شارك في معارض وزارة الثقافة والاعلام ومعرض جمعية الثقافة والفنون ومعارض بيت الفنانين التشكيليين وجمعية الباحة للثقافة والفنون وأقام العديد من المعارض داخل وخارج المملكة،مؤسس مجموعة “مسار” التشكيلية بجدة وله العديد من المقتنيات لكبار الشخصيات من أمراء وأعيان في الدولة ومقتنيات في مؤسسات صحية وتعليمية وشركات كبرى وحاصل على الكثير من الشهادات والدروع لتميزه والمراكز المتقدمة كان أهمها حصوله على جائزة أبها من صاحب السمو الملكي الامير خالد الفيصل وهو أيضا مُحَكِم للكثير من الانشطة الفنية كان أخرها ورش وفاعلية سبت العلايا في العُلا والتنظيمات محلي وعربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق