مقالات وكُتاب

ليلى جوهر تكتب عن : ” عوالم وأساطير ” الفنان الجزائرى يونس بوطريف

هو  فيلسوف الطبيعة .. فنان ونحات جزائري درس في باريس -Beaux-Arts de Paris دعاني لزيارة متصفحه فذهلت لغرابة منحوتاته واحترمت القيم الإبداعية الفنية والفكرية في محتواها إنه النحات الجزائري المخضرم رمز ومدرسة لجيله والأجيال اللاحقة العصامي يونس بو طريف، أجزم أن أول مايلفت إنتبهاك له اللحية الطويلة التي أطلقها مراقصة الريح في البرية وقد رسمت خارطة الزمن أخاديد من الطبيعة التي عشقها على قسمات وجهه السمح، هو ذاك الرجل العصامي العنيد مع نفسه وصعب المراس لايستسلم ولايخضع أمام العقبات لطموحه وما حباه الله من طول شامخ إستغله  ببراعة لنحت أحجام كبيرة من المنحوتات ، مكتسباً من ملامسته وتأمله دوما للحجارة والصخور الصمود والقوة  في الشخصية.

أكد لي في حواره أن الطبيعة الخلابة في موطنه الجزائر  روضته عبر مراحل عمره حتى خضع لها مسلما لما تجود عليه من إلهام وجمال رباني ،حتى هام باحث عن مكنونها المخزون في باطن الأرض ، فقضى جل وقته منقب عن جواهرها من الصخور  النادرة في تشكيلاتها وبأنواعها المتعددة الباهرة الجمال، يراها الفنان المبدع بوطريف ككنوز  هيأها الله له والمرآة العاكسة لأجناس الناس، فبعد صقلها ونحتها  يتكون الإنسان الأزلي ،يظل ينحته بأعداد هائلة تخطت الألفية دون ملل أو يأس ، صير منه أروع المنحوتات  ،وكشفت قرائتى لشخصيته عن (كاريزما ) الرجل المعتز بما وهبه الله من طاقة ونشاط ذهني وجسدي سخرها في تشكيل الصخر والرخام، مصورا الإنسان في صور وهيآت غير  مألوفة لنا.. فهو قد تمرد على الطبيعة وثورتها وجعلها مطواعة تحت سندانه فشكلها كيفما يرى البشر في دواخلهم وليس أفعالهم فحسب ! قناعته والتبسط والزهد والهدوء كانت من اسباب  بعده عن زحام وتكدسات البشر تارك حياة المدينة وبهرجتها  ليسكن أمام البحر ومن حوله الصخر والرمل والشجر ..ماجعله عميق الابتكارات الإبداعية الوجدانية .

ويعد الفنان يونس بوطريف، من كبار النحاتين في الجزائر ، وأجزم بأنه متفرد بتحديه لكل ما تقع عيناه عليه تتناوله يداه من صخور وإحالتها مجسمات بتفاوت أحجامها ، تتميز منحوتاته بغاية الروعة وبحملها للكثير من القيم الإنسانية، وذات روحانية وجمالية بتميز

وفي  منحوتة أسماها (الحياة والموت) بورترية الوجه البشري نقيضين يتشاطران الوجه ويعكسان ما يؤل عليه حال الإنسان من تحولات حتى الهرم ، ويفسر لي رؤيته قائلا : منحوتة الحياة والموت تعبيرية عنا نحن البشر كيف أننا نحصد ماجنيناه  من أعمال إن خير فخير وأن شر فشر.

وتتمحور  أغلب فكرة  المنحوتات  في تصويره  موضوع العيون وملامح الوجه البشري (بورترية) والتعبير من خلالهما كيفما يريد, فلسفته شكلت منحوتات للإنسان والحيوان معا في جسد واحد وفي أوضاع غريبة حيث ذهب بفنه ماهو أعمق من كونها أشكال مدلل على الفوارق فيما بينهما فالآدمي مكرم خلقة ومقامه سامي عند خالقه قد يرتقي وقد ينزل منزلة الحيوان في (بويهميته ) إن لم يتناغم مع الطبيعة فهي ضابطة للسلوك إنه يود إيصال رسائل صادمة للجمهور لنقرأها في تصويراته المشكلة المتناقضة من نحته الخرافي صور مستعارة لبعض الحيوانات من عالم البحار وأخرى من عوالم الحياة الفطرية البرية متوحدة بجسد بشري في رحلته منذ ميلاده الأول، ليقدم  مجسماته للمشاهدين والجمهور برؤيته الصريحة دون خشية من النقد, فهو يرفض المجاملات على حساب الفن ، وعلى وجه أخر  ينحت للجمال ذاته يبرزه  في صور  موجودة خلق الله من ذوات الأرواح بتناقضاتها كالطبيعة تماما.

ويحكي عن منحوتة تسمى العين الروحانية إقتناء ومشاركة باليونيسكو وهي تعني رمزا للديانات والسلم عام2003م,وله مجموعة من المنحوتات موزعة بالقارات الخمس وأحدها بلغت بحجمها والابعاد مقاس ستة أمتار , بمدينة (بادن بادن)الألمانية، و أخرى يزيد طولها عن المترين و نصف بفرنسا و ثالثة يزيد طولها عن الثلاثة أمتار متواجدة بولاية تمنراست الجزائرية وذهب الكثير منها إهداءات . وللنحات يونس بوطريف نظرته الرزينة إتجاه أعمال غيره من كبار النحاتين في العالم وفي حوار معه بموقع المصور الألكتروني صرح بثقة وهو يشير لمنحوتته موضح تأثره بالنحات العالمي (رودان ) عند قوله :النحات رودان نحت باب جهنم و أنا نحت من (سيمر عبره). وللفنانين العصاميين فكرا مغاير بكل تأكيد عمن سواهم فبتجاوزه الخامسة عاما ماهو كاف ليجعل منه فيلسوف عصره حيث قضى قرابة السادسة والأربعين عاما من النحت والتشكيل وتطويع الخامات من مخلفات الطبيعة كحصى البحر الملساء وأحجام مصغرة من حجر الغرانيت والرخام يعمل منها تشكيل متناغم متقن ومن الفسيفساء ماهو جميل برموز تعبر عن فكرته لحال الإنسان وجمال الطبيعة معا,وقد أثار إعجاب كبار النحاتين من دول عدة عند مشاركاته الدولية حيث حصدت أعماله جوائز عالمية و ميداليات وشهادات تميز وشكر، وفي نقاشي المطول معه عبر إتصال هاتفي وضح لي إسلوبه القائم على فلسفته وتوجهه حيث أطلق عليه مسمى (فن البوتريفي) واسهب قائلا: أني انظر إلى العلو في الآفاق فابصر النور الذي تتلاشى أمامه الظلمات فما وراء الماء وما وراء الخطوط نبصر المعجزة الالهية فنخضع عبودية وخشوع طاعة للرب ونسمو فكرا ورسالة بإسم الإنسانية.

فسر لي أكثر نظريته القنية قائلا: ما وراء الماء خلق الذرية في رحم أمهاتنا وتكاثرها وما وراء الخطوط مد البصر والنظر في الآفاق العلياء فالعين الروحانية والروح تبصر جوهرالشيء غير المرئي لنا كمنحوتتيه الأخيرتان اللتين أطلق عليهما مسمى ( ما وراء الخطوط ) و(ليلى ما وراء الأفق ) خصني إياها على حد زعمه مستلهم منهما نظرة عيني وهيئتي تصويرا في كتلة ضخمة الحجم والأبعاد تحفة نحتية غريبة في تشكلها فقيمتها بعمق مضمونها ، فالمنحوتة يصعب قرأتها من قبل الجمهور فهي مبهمة بحق في وصفه لها  إنسانة محملة بالشيء الثمين المثقل بالسخاء والخير.

وتتميز منحوتاته بجمالية نوع (الرخام )الخام والنحات بوطريف فنان يرى نفسه أسرع النحاتين في العالم حيث ينجز بعض منحوتاته الكبيرة الحجم في مدة وجيزة لا تتجاوز اليومين مبررا سرعته أنها الهبة من الله والإلهام من البحر والراحة في الصحراء والتفكر في الخلق فهو يستلهم أفكاره من بعض الشخوص المؤثرين فيه فوالدته رحمها الله كان يراها رمز التفاني والتضحيات ونبع الحنان حيث تربى بكنفها منذ نعومة أظافره يتيم الأب استلهم من نظراتها وهي في كهولتها صورا لحالتها الإنسانية , فبعمق النظر والتفكير لا يمرون عليه نماذج من الشخوص مرور الكرام دون أن يسبر أغوارهم ويستشف ما يؤمنون به من رؤى وتطلعات وآمال, ينحت منهم مجسماته ذات الوجوه المسالمة بسماتها والأعين الحادقة في الافاق غالبا ما تكون عيون ذو رجاء باحثة عن الأمان مؤملة في الاستقرار مناجية للرب, وأوضح في حواره معي أن الكم الهائل من المنحوتات لا نتاجه الغزير حيث فاقت الألف والتسعمائة منحوتة  ومايزيد بكثير لم يتبقى منها سوى مائتين منحوتة ومن لوحاته التصويرية والتشكيلية رسم إلى جانب بعض من اللوحات التي اشتغل بفنه عليها (ميوزييك) والفسيفساء بأسلوب هو أقرب للبدائيين في فن التصوير والتعبيرات فعلى الشاطيء وفي المنتزهات والبراري المعشبة والمروج المكسوة خضارا قابعة المنحوتات بأبعادها اللامتناهية الجمال.

ويحرص على انتقاء القطع الرخامية الخام يختارها بعناية بعناصرها اللونية حيث تسر الناظرين منها البازلت والجرانيت والونوكس وكذا النادرة ذات القيم الجمالية الثمينة لكثرتها بالجزائر ،وفي عدة مدن أهمها ولاية وهران وقسنطينة وسكيكدة والهوقان ،وقد طوع أدواته لتشكيلها نحت بالتقنية الفائقة المرونة مع حرصه على بقاء الكتلة كما هي بثقلها متعمدا قدر المستطاع للحفاظ على خصوصيتها وعناصرها الفطرية ،يستخلص من بيئته كنوزها الغنية مستغل ما سخره الله من هبات دفينه في الأرض للرخام والأحجار الملونة والمرجانية من البحار وما يلفضه البحر للحلزونيات والحجر المصقول الملمس بأحجامه المتفاوتة ومواد معدنية ونحاسية وغيرها من المخلفات. ويقطن بو طريف بمدينة (شرشال )على مشارف البحر تبعد عن العاصمة الجزائر مائة كيلومتر تقريبا. وجعل مسكنه على الشاطيء متحف وحديقة نحت عامرة بالزائرين والمرتادين من السياح والمهتمين بالفنون عامة ، وكما أنه نحات ماهر فهو فنان تشكيلي ذو أسلوب فائق التقنية فلوحاته مكملة لنهجه وتوجهه الفكري وفلسفته وما حولها من حياة.

منحوتات الفنان القدير يونس بوطريف تكمن في قيمتها الإنسانية وفكره لمضامين تعبر عن حالة الانسان في توجسه وحواره في فضاء وفراغ الطبيعة ومع الآخرين بحزنه وهمه وتأملاته البعيدة المدى وانكفائه وتمحوره حول نفسه وذلك التوافق والتناغم في التوازن والأبعاد والملمس المصقول لمجسماته وهي تتخذ أشكالا تصويرية هندسية دقيقة النسب سوريالية المضمون وتكعيبية الشكل في أحجامها الضخمة وتحتل الأنثى مساحة ذات كفاءة عالية لمدركه البصري فهي رمز الحب والعاطفة والتضحيات في صورة يشعرها عطاء دون حدود ،وتبقى لديه قضيته السامية حول الهم البشري وقضاياه وأيضا رسالته الأولى إتجاه ما وهب الله للطبيعة من عناصر في محيطه وبحرفيته الفائقة البراعة ،يتفنن ويهندس كل مساحة أو جزء من الأحجار والصخر والرخام ليحيلها إلى منحوتات تسر الناظرين فهو مصورا جريئا وصادقا واضح المشاعر, ولكل منحوتة من منحوتاته قصة وكيان مستقل، تجعلني أتعجب دهشة وإجلال أمام جمال تلك الفنون المتنوعة والمثقلة بالجمال وبالعناء البشري فليس من تضخيم يباهي تضخيم السعادة ويمحو من هول المآسي سوى الفنان الصادق وتصاويره الإبداعية المبتكرة لوحات ومنحوتات تعكس ماخصه الله من قوة وطاقة وفكر بكل مقاييس البراعة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق