أخبار ومعارض

للأزرق إيحاءات أخرى غير البحر والسماء

35 فنانا تشكيليا تونسيا يستلهمون من أزرق كلاين الباذخ أفكارا ورؤى وتجليات ليشكلوا عالمهم الراهن بشيء من التفاؤل المستمدّ من لون الصفاء في زمن كورونا*

“الرّسم، هو شكل آخر لكتابة اليوميات”، هكذا عبّر الرسام الهولندي فنسنت فان غوخ، وهكذا اتفق 35 فنانا وفنانة من تونس على سرد يومياتهم الراهنة، وبثّها في لوحاتهم المحتفية بأزرق التناقضات والمفارقات في معرض جماعي، تتواصل فعالياته بالمركز الثقافي سان كروا في المدينة العتيقة بتونس العاصمة حتى نهاية شهر ديسمبر الجاري.

تونس- في سن التاسعة عشرة، كان الرسام الفرنسي الراحل إيف كلاين (28 أبريل 1928/ 6 يونيو 1962)، جالسا مع زمرة من أصدقائه الفنانين على شاطئ نيس بجنوب فرنسا، لتخامرهم فكرة تقسيم العالم في ما بينهم، فاختار أرماند فرنانديز الأرض، واختار كلود باسكال الكلمات، في حين اختار كلاين الفضاء السماوي المحيط بالكوكب، ليشرع بعد ذلك في رسمه كعقيدة ثابتة ضمن تجربته الفنية. ومع هذه اللفتة الرمزية الشهيرة من رسم السماء، توقّع كلاين فحوى فنه من ذلك الوقت فصاعدا، في محاولة منه للوصول إلى أقصى جانب من اللانهاية.

وانطلاقا من مقولته “كل الألوان تجمع بين الأفكار الملموسة. بينما يشير اللون الأزرق في معظم الأحيان إلى البحر والسماء، فإن ما هو أكثر تجريدا في الطبيعة ملموس ومرئي”، استلهم 35 فنانا تشكيليا وفوتوغرافيا تونسيا من أزرق كلاين الباذخ أفكارا ورؤى وتجليات ليشكلوا عالمهم الراهن بشيء من التفاؤل المستمدّ من الأزرق، لون الصفاء في زمن كورونا.

رسم إنشائي

هذا التجمّع الاستثنائي المحتفي بالأزرق، الذي عدّه الرسام الفرنسي الراحل “لونا خارج البعد”، يتشكّل فنيا في معرض جماعي يحتضنه المركز الثقافي سان كروا بالمدينة العتيقة في تونس العاصمة حتى الثلاثين من ديسمبر الجاري، أي قبل يوم من استقبال العالم، كل العالم لعام جديد، تتمنّاه البشرية التي أضنتها سنة 2020 بفايروسها القاتل، أقل إيلاما وأكثر انتصارا لإرادة الحياة.

“أزرق بترولي ناعم” هو عنوان المعرض المنتظم من قبل الرابطة التونسية للفنون التشكيلية، تحت إشراف نجاة الذهبي وهدى العجيلي مفوضتي المعرض.

وعنه قالت العجيلي في تصريح لـ”العرب”، “يأتي معرض: أزرق بترولي ناعم، استئنافا لعمل ثنائي بيني وبين نجاة الذهبي من خلال معرض سابق حمل عنوان: نقطة سوداء، جمعنا خلاله 35 فنانا من مختلف الاختصاصات الفنية؛ رسم، حفر، خزف، فوتوغرافيا، وفيديو”.

وتواصل “كان معرض: نقطة سوداء، تجربة مختلفة جعلتنا نطمح إلى حرية فنية أكثر، فكان هذا المعرض، كما سيكون لنا، قريبا، لقاء فني آخر مع مجموعة من الفنانين المستقلين بعيدا عن العمل الجمعياتي المحكوم بالكثير من العراقيل”.

والمعرض أتى وفق هذه الرؤية المتحرّرة من الإملاءات المؤسساتية، جامعا لمختلف المشارب الفنية والتقنية والمدارس التشكيلية والفوتوغرافية التي أبحرت في أعماق الأزرق، مرفقة بنصوص إنشائية من وحي أقلام فاعليها ومشاعرهم المكتظة بما يجول في خاطرهم بعد اكتمال اللوحة التي تسرد بعضا من التفاؤل الناعم أحيانا، مع الكثير من التشاؤم الحارق في أحيان أخرى.

وهو ما أكّدته المفوّضة الثانية للمعرض، الفنانة نجاة الذهبي، التي قالت “أزرق بترولي ناعم”، هو المعنى ونقيضه وهو المكتوب والمنطوق، حين تسمع الكلمات فهي تؤدّي معنى مزدوجا باتجاهين، أما الكتابة ففيها إيحاء باللون الأزرق وجوهر الحياة. يحتفي الموضوع فكريا بكل الأوجه المضادة للإنسانية. نحن نعالج مواضيع في عمق السياسة والمجتمع واليومي. وإذا ما عدنا إلى معاني اختيار “الأزرق”، فهو لون الفراغ والقسوة والغيبوبة، باستثناء أنه مرهون بصفة “اللين”، وهي صفة تحمل الشكوك مثلما تحمل الإغراءات

ووفق نسق كتابة روحانية صوفية قالت الفنانة شهلة سومر “عندما وطئت قدماي لون اللازورد، قلب أوزيريس الكأس فأصبحت السّماء ماء، وتجلّى لي وشاح مريم العذراء بزرقة متدفّقة، ملأت كأسا من الأثير، فصفت الروح وطفت.. فتحت أجنحتها تحت قبّة السّماء الحارسة، وابتعد عنّي ظلّي، رسمته أزرق فعاد إليّ مُخلصا مثل عودة الحقيقة إلى صاحبها”.

وتضيف “تنهّد الناي وذرف أزرق أثيريا، ثيمته العشق، تدفّق كسائل مُراق على الروح تحرّكه غيمة، أسأله أتراني؟ فيختفي، يجذبني إليه من الظلمة فيصبح نورا كريح مقدسة، كمعبد صوفي أو كضريح للكلمة. سألت الملائكة، ما الأزرق؟ صمتت.. وفي أعينها اللازوردية حدثني حدسي: إنه الكشف!”.

لوحة عنونتها سومر بـ”صمت الملائكة” لترسم ملائكتها الخاصة، في خشوع صامت يكتسح فضاء القماشة بلونها الأزرق المتدرّج بين بترولي وسماوي وآخر لازوردي، الأزرق هو الكل في اللوحة وهو الجزء فيها أيضا، لا تكاد تفصل بين الخطوط الفاصلة للهيكل المرسوم والفضاء الحاضن له، فالكل أزرق إلى حدّ الالتحام الحميميّ، فالأزرق عندها “بهاء ورفعة، استوى على عرش المحبة والنّقاء”.

وبشكل تشاؤمي تأتي لوحة “عبث” للفنانة الشابة مهى المي (أكريليك على قماش) بثلاثة رؤوس شاحبة تبكي حظها العاثر في أرض اكتسحها الوباء من كل جانب، فأدمعت الأعين وأُدميت القلوب في رحاب الأزرق الجامع للقلق والتوجّس والحسرة على كوكب دمّرناه نحن بلهفتنا الاستهلاكية المفرطة، ففرّطنا في نقائه وصفائه البيئي.

تقول المي عن هذا العبث “يا أنت متى تدرك أن الأعلى كما الأسفل، وأن لا شيء في الأعلى غير الذي في الأسفل تتّحد به ذاتك ويصعب أن تتّحد به هويتك، قلق.. قلق.. قد يفضي بك إلى ما لا تعلم وقد يوصلك إلى نقطة تظن أنها النهاية وأنها الغاية وأنها المنتهى، فإذا بها المنطلق والمبتدأ، وبين لحظة البداية ولحظة النهاية تغرق قي اللامعنى فتدرك عبث الحياة ومأساة الوجود ونهاية الإنسان.. الإنسان ما الإنسان؟ وما أدراك ما الإنسان؟!”.

فوتوغرافيا الأمل

تشكيل

في مقابل هذا التشاؤم المتحفّز والباحث عن انتصار ولو حيني لديمومة الحياة ومن خلالها الإنسان المسلوب ولو بشكل مؤقّت من زرقة مشرقة قد تشعّ في آخر النفق، يستعرض الفوتوغرافي علي الحيساوي عبر لوحة تمزج الفوتوغرافيا بالرسم معا “عشتار” المشتهاة، والتي استحالت مع الأيام وتداول الحضارات “أفروديت” عند اليونانيين و”فينوس” عند الرومان، ومن ثمّ انقلبت “إيناس” على أرض عليسة.. لكن هذه الأخيرة لا كرمز للجسد الفينوسي الممتلئ بالمفاتن، وإنما كرمز للحب والعطاء.

أخذ وعطاء بدا جليا في اللوحة/ الصورة بتقنيتين مختلفتين قلّما اجتمعتا في عمل واحد، حيث الرسم بالعدسة والألوان معا، رسم بعدسة الكاميرا لـ”إيناس”، التي اختزلت عند الحيساوي جميع آلهة الحب والجمال في الحضارات المتعاقبة، وإن اختلفت التسميات بين عشتار وأفروديت وفينوس، فهذا غير مهم، بل المهم رمزية بطلة اللوحة بتسميتها الحديثة في الزمن الراهن، إيناس، المشتق من الأنس والاستئناس بوجهها الخاص الذي تعدّدت ألوانه بلطخات زيتية صفراء وأخرى حمراء، فيما الأزرق يغطي كامل تفاصيل الوجه الأنثوي المستكين لضربات فرشاة الفوتوغرافي الرسام، لتغدو حسناؤه هي اللوحة وهي الفضاء الحاضن لمفاتن الأزرق وإغراءاته الجمالية والرمزية المتعدّدة.

وغير بعيد عن فن الفوتوغرافيا تحضر في المعرض لوحة أخرى مركّبة لأمين بوصفارة تسرد بهدوء صاخب الثرثرة، أمنيات صبية يافعة وربّما والدها، وهما يركبان عربة يجرها حصان، متجهين صوب دائرة زرقاء، ليست هي الشمس في أشعتها الصفراء الحارقة، بل هي شمس زرقاء موحية بالأحلام والصفاء.

المعرض الجماعي أتى تعبيرا عن هواجس تونسية عامة، طارحا سؤال الوجود في كوكب أرضيّ خلناه الحامي والملاذ

وهذه الأقمار المشمسة، إن صح التوصيف، تحضر بقوة في لوحة رباعية للفنانة نائلة بن عياد، حيث تتغيّر الألوان لكوكب واحد هو قطعا الأرض، ليبدو أزرق صافيا على يسار اللوحة، ثم أصفر فاقعا، فأحمر قانيا مشعّا، لينتهي رماديا كرمادية أيامنا الراهنة التي لم تسعفنا بأن نفهم من نحن؟ وإلى أيّ مصير نحن ذاهبون وسط ذهول حتمي؟

هكذا أتى المعرض الجماعي تعبيرا عن هواجس تونسية عامة، طارحا سؤال الوجود في كوكب أرضيّ خلناه قبل كورونا، الحامي والملاذ، ليستحيل بعده، ألوانا متضاربة ومتناقضة شاحبة وحارقة تُنذر بالخراب وتُبشّر بديستوبيا الفناء، لولا بارقة الأزرق الناعم، الذي أنعم على البشر بإمكانية الانطلاق في الفضاء الفسيح، مُتغلّبين على خوفهم المرضي، مُستبشرين بسنة جديدة قد تكون سعيدة، تخرجهم إلى النور وتستدعي فيهم نشوة الأمان والصفاء من جديد.

*العرب

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق