شخصيات فنية

فنان مصري يستعيد “إسكندرية زمان” بألوان الحاضر

التشكيلي ياسر جعيصة يحوّل الذكريات المرويّة عن المدينة المتوسطية إلى لوحات فنية*

يواصل الفنان المصري ياسر جعيصة احتفاءه بذاكرة المدن المصرية التي يستلهمها من الصور الفوتوغرافية القديمة أو عبر الحكايات التي سمعها من سكانها. فبعد معرضه “مائيات”، الذي وثّق فيه بعضا من حركة الناس ومعالم القاهرة، ها هو يستعرض في معرضه الأخير “إسكندرية زمان” جانبا من يوميات المدينة المتوسطية في ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته بألوان الحاضر الممتدة بضوئه نحو آفاق جمالية متجدّدة.

القاهرة – يضم معرض “إسكندرية زمان” للفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة المقام حاليا بغاليري النيل بالقاهرة، 65 لوحة جاءت كلها بالألوان الزيتية لتسرد بعضا من تاريخ مدينة الإسكندرية وأهلها، حيث نجح جعيصة إلى تحويل الذكريات التي شاهدها عبر الصور الفوتوغرافية القديمة أو تلك التي سمعها من خلال الحكايات المروية عن بعض سكان المدينة المتوسطية إلى واقع ملموس مجسّدة على لوحات حديثة.

انبعاث جديد

لوحات أعادت الحياة إلى شوارعها القديمة في حقبة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي وكأنه عايش ذاك الزمان، وهو المولود بالقاهرة في العام 1970، فكيف له أن يرسم بكل تلك الدقة زمنا غير زمانه ومدينة غير تلك التي نشأ فيها؟

يقول جعيصة “يتحوّل الماضي إلى صور قديمة بالأبيض والأسود وتظل تلك الصور عالقة بالأذهان، كل منا مرتبط بماضيه، بصور، بحكايات، صور باهته، صور بالأبيض والأسود، فكيف لهذه الصور أن تشعل الذكريات، ذكريات وراء تلك الصور حتى وإن لم تعشها، فقط مجرّد رؤيتها تجعلك تتخيّل حكايات تجوب تلك الأماكن، لقد تحوّلت الأبنية إلى حكايات، شوارع وأبنية، سيارات قديمة تجوب الشوارع تحمل ذكريات أناس أمضوا فيها أسعد ذكرياتهم”.

ويضيف “قرّرت أن أحوّل تلك الصور الفوتوغرافية وتلك الحكايات المرويّة إلى واقع حديث ملموس وذلك برسم حياة تدبّ فيها، لكن بصورة حديثة، حياة ملوّنة حديثة، بحثت وشاهدت مئات الصور عن مصر، عن القاهرة والإسكندرية تحديدا، وكان قراري أن أرسم شوارع الإسكندرية، أن أُعيد شوارعها إلى الحياة، وأقصّ عليكم حكايتي معها عبر ما رصدته عيناي انطلاقا من صور فوتوغرافية قديمة”.

أتت الألوان في مجمل لوحات الفنان الأخيرة مشبعة بالضوء في تدرّجه اللوني بين أصفر وترابي وأسود قريب من الرمادي في مزج فريد بين وقتين متباعدين؛ وضح النهار وظلام الليل، وفي أخرى يجيء الضوء أصفر محمّرا يُحيل إلى اللقطة الأشبه بفيلم سينمائي قديم يوثّق حركة الناس ساعة الأصيل، قبل أن يعسعس الليل ويرخي سدوله على الأرجاء فتغدو المدينة ساكنة إلى حين انبلاج فجر يوم جديد.

وهذا الانبعاث الجديد ليوم شديد الحركة في “إسكندرية زمان” لا يتأخّر كثيرا، ليظهر في لوحة ثانية اتسمت ألوانها بحرقة الشمس لتصوّر محطة ترامواي المدينة وهي تصحو متأهبة لاستقبال المسافرين، ليكون الترامواي بطل المشهد، فهو أمين سير وسرّ ركّابه على السواء.

وفي ثالثة تحضر عربات “الكارو” وهي تتجوّل في الساحات تبحث عن راكب لتُعيده إلى بيته، أو توصل آخرين إلى قلب المنشية العامرة بالحياة، وإن مع بداية خفوت الحركة وتضاؤل عدد المارين هناك، فلليل إسكندرية الأربعينات حكايات ومسرّات، ولكل عاشق للسهر وجهته المشتهاة.

خامات وحكايات

عين راصدة لحميمية مفقودةعين راصدة لحميمية مفقودة

الإسكندرية التي خلّدها الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ في روايته الشهيرة “ميرامار” التي تحوّلت، في ما بعد، إلى عمل سينمائي من بطولة؛ شادية وشكري سرحان، كانت تعجّ بالجاليات الأوروبية التي تعايشت مع المصريين وأثّرت في ثقافتهم ماضيا وحاضرا، وهو ما وثّقه صاحب جائزة نوبل للآداب في روايته التي رصدت تاريخ مجتمع الإسكندرية وماهيته.

وإن كان محفوظ قد وثّق بالكلمة لجزء من تاريخ الإسكندرية في الثلاثينات والأربعينات عبر روايته المستوحاة من سيرة ذاتية لامرأة يونانية، قيل إنها صاحبة الفندق المجاور لمقهى “أثينيوس” الذي كان يرتاده مُبدع الثلاثية، فإن جعيصة دوّن ذلك التعايش السلمي بين المصريين والأرمن والإيطاليين واليونانيين عبر لوحة وشّحت بأعلام بلدانهم في الزمن الماضي، لتكون عينا راصدة لحميمية فُقدت في الزمن الحاضر.

سبق لجعيصة أن أقام في العام 2017، معرضا بقاعة قرطبة بالمهندسين ضم 60 لوحة صوّرت حياة الشوارع بالعاصمة المصرية القاهرة، مرسومة بالأكواريل التي تستخدم عادة لرصد حالة الشارع السريعة، وهي خامة تعدّ من أصعب الخامات للرسامين، حيث أن التصحيح بها يكاد يكون من المستحيلات.

وهو ما ثمّنه أشرف رضا أستاذ الديكور بكلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، بقوله “إن ما يميّز ياسر جعيصة قدرته على تنفيذ لوحات شفيفة ومفعمة بالحركة عبر خامة الأكواريل، تلك الخامة التي تبدو بسيطة وسهلة إلّا أنها تتطلب قدرة خاصة للفنان تعتمد على سرعة الأداء ونقاء اللون والتعبير التأثيري”.

في حين قالت الفنانة التشكيلية المصرية هناء حلمي “هو معرض قوي وجريء دون خطوط حمراء في الرسم لتوصيل الصورة الحقيقية التي وثّقت أماكن هامة في القاهرة”.

وفي العام الماضي، وبنفس الرواق أقام الفنان المصري معرضا جاء تحت عنوان “مائيات”، ضم 35 لوحة بمقاسات مختلفة، قدّمت تنويعات فنية رصدتها عين الفنان، حيث لا توجد ثيمة موحدة للمعرض، لكن جعيصة رصد كل ما وقع تحت عينيه بأسلوب مختلف وشديد الخصوصية وبمهارة في استخدام خامة الأكواريل، إلى جانب لقطات ومشاهد من الطبيعة والبحر والشارع وغيرها من المشاهد الواقعية والتأثيرية.
وبدأ جعيصة مسيرته التشكيلية كفنان محترف عام 1992 أثناء دارسته بكلية الفنون الجميلة قسم الرسوم المتحركة وفن الكاريكاتير، عمل بمؤسسة روز اليوسف، وجريدة الأهرام، ومجلة المجلة اللندنية، وجريدة المصري اليوم، وعدد من الصحف العربية والدولية كما رسم أكثر من مئة كتاب للأطفال.

ونظم جعيصة العديد من المهرجانات الفنية الدولية منذ 2012 وحتى 2019. كما شارك في العديد من الملتقيات الدولية والعربية في ألمانيا وإيطاليا واليابان وكرواتيا والنرويج وتركيا والولايات المتحدة وإيران، وله مقتنيات لدى الأفراد والشركات بمصر والإمارات والكويت وقطر وألمانيا وفرنسا، وله أيضا مقتنيات بمتحف كام بإيطاليا، ومقتنيات بمتحف الكاريكاتير بتركيا ومتحف الكاريكاتير بالنرويج.

إسكندرية الأربعينات حكايات ومسرّاتإسكندرية الأربعينات حكايات ومسرّات

لوحات محفّزة للذاكرةلوحات محفّزة للذاكرة

شوارع وأبنية تسرد يوميات الزمن الذي كانشوارع وأبنية تسرد يوميات الزمن الذي كان

* العرب

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق