شخصيات فنية

فنان لبناني ينغّم الألوان ويرسم الموسيقى

ريبال ملاعب يعزف منفردا على لوحات تجريدية دفّاقة.

“فيينا، زيورخ، بيروت” معرض فردي للفنان اللبناني الشاب ريبال ملاعب، أتى عنوانه متسقا مع اللوحات المنجزة من قبل الفنان الشاب بين عامي 2017 و2020 في النمسا وسويسرا ولبنان، وتعبيرا عن تجربة تشكيلية فتية لكنها تعد بالكثير.

بيروت – تحتضن صالة “جانين ربيز” البيروتية حتى الخامس والعشرين من يونيو المقبل معرضا للموسيقي والفنان اللبناني ريبال ملاعب، جاء تحت عنوان “فيينا، زيورخ، بيروت” أنجزها ملاعب بين عامي 2017 و2020 في كل من النمسا وسويسرا ولبنان.

وأتت أعمال الفنان الشاب المولود سنة 1992 في بيصور، وهي قرية من قرى قضاء عاليه في محافظة جبل لبنان، متوسطة وكبيرة الأحجام ومشغولة بالألوان الزيتية.

شغف طفولي

عالم ريبال ملاعب فيه من الزخم اللوني الخام الذي سكن لوحات التجريدي اللبناني إيلي كنعان

من شبه المستحيل، خاصة في منطقتنا العربية، أن يتكوّن اسم وشهرة فنان من دون الإشارة إلى أثر المنزل الأول الذي ترعرع فيه، لاسيما إن كان بيتا عريقا في الفن كبيت الفنان التشكيلي جميل ملاعب، الذي يقع الى جانب “متحف جميل ملاعب” والذي يتولى إدارته وتنظيم النشاطات الثقافية الفنية فيه ابنه ريبال صاحب المعرض.

وفي حين “ينفر” معظم الفنانين التشكيليين من ربط اسمهم باسم أحد أبويهم، خاصة إن كان فنانا معروفا، يقف الفنان ريبال في مكان آخر تماما يُشبهه ويليق بخلفيته العائلية المُتماسكة والداعمة أفرادها لبعضها البعض.

وبداية يهمّ أن نذكر بأن الصالة الفنية التي تبنته هي “جانين ربيز” العريقة الكائنة في أجمل المواقع البيروتية (التي حرصت على استمراريتها وتألقها، الابنة نادين ربيز بكداش) والتي يُعد جميل ملاعب والد ريبال ملاعب واحدا من أهم “فنانيها”.

الصالة تطلق اليوم بداية مشوارها في هذه الظروف اللبنانية الصعبة مع الفنان الابن إلى جانب دعمها السابق والمستمر لوالده الفنان جميل ملاعب.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن معادلة نجاح الفنان/ الابن قائمة فعلا لتوفّر عدد من شروط النجاح، إضافة إلى موهبته ولتقنيته الفنية العالية على السواء. فريبال حاضر في العالم الفني واقعيا وافتراضيا في الآن ذاته، وذلك منذ عدة سنوات. وواضح إلمامه بشؤون التسويق ذات الضرورة القصوى لكل فنان معاصر.

لم “ينتفض” ريبال كالعديد من الفنانين التشكيليين على إرث أبيه، أو رفض تبنيه لفكرة التعبير الفني/ البصري الذي عاشه ويعيشه والده، إلى جانب تأليفه وعزفه للموسيقى، وهو اختصاصه الأول الذي تابعه بتفوّق في مدينتي زيورخ وفيينا، بل على العكس تماما.

وقد ذكر في البيان المرافق للمعرض “عدت إلى الرسم كما يعود أحدهم إلى بيت والديه في القرية فيستعيد جذوره. لم يشعر أجدادنا بالراحة حتى حفروا أيديهم في التربة وغرسوا الأرض واستمتعوا بالمحصول. أجد هذه الراحة عندما أملأ يدي بالطلاء الزيتي وأنجز لوحة ما. سافرت حول العالم مع الموسيقى.. لكن فقط من خلال الرسم، تمكّنت من العودة إلى جذوري”.

ويُصرّح الفنان أنه نما وسط الألوان واللوحات، وأنه كان دوما مأخوذا بفكرة العيش مع والده الفنان جميل ملاعب. ويخبر المطلعين على فنه أنه في طفولته كثيرا ما كان يتغيّب عن حصص الدراسة ليلازم والده في مرسمه الفني.

ويقول ملاعب الابن في البيان المرافق للمعرض إنه عندما كان في السادسة من عمره بدأ دراسة الموسيقى الكلاسيكية وتدرّب على عزف الكمان. أما حين بلغ السابعة عشرة فقد غادر إلى سالزبورغ للدراسة، ثم انتقل إلى فيينا حيث استمر في الدراسة قبل أن يستقرّ في مدينة زيورخ.

صمت موسيقي

لحظات صمت خاطفة وأخرى ممعنة في التلاشيلحظات صمت خاطفة وأخرى ممعنة في التلاشي

أما عنوان معرضه هذا “فيينا، زيورخ، بيروت” فمُتأت من كونه أنجز اللوحات المعروضة بين سنة 2017 و2020 بين النمسا وسويسرا ولبنان.

ويوضح القيمون على الصالة أن ريبال تلقى تعليمه الفني على يدي والده الفنان، كما تأثّر بأعمال فنانين لبنانيين رائدين كصليبا الدويهي وعارف الريس وشفيق عبود. وأنه عند ذهابه إلى سويسرا تأثر بشكل خاص بفن بول كلي الذي كان هو أيضا عازف كمان موهوبا ومُتمرّسا.

غير أنه يمكننا أن نضيف بأن عالم ريبال فيه من الزخم اللوني الخام الذي سكن لوحات الفنان التجريدي اللبناني إيلي كنعان بعيدا عن ضربات الريشة والسكين النزقة التي حلّت في أعمال ملاعب ولم تحضر في لوحات كنعان، إلاّ كومضات عمد إلى “تخديرها” للتخفيف من حدة نبراتها عبر ما نوّد أن نسميه تقنية “إفشاء” الألوان المُستخدمة وجعلها تنتشر كالبخار أو الضباب الكثيف بدلا من أن تنهال كالصاعقة وتنهمر كالمطر، كما هو الحال في لوحات ريبال.

ريبال ملاعب: الموسيقى سافرت بي حول العالم، والرسم أعادني إلى جذوري

ربما ما يُمكن أن يستفيد منه ريبال في هذه المرحلة من حياته الفنية هو التأمل في حالات الما بين اللونية، حيث يتلاشى “جسد” اللون، إذا صحّ التعبير، لتبقى روحه حاضرة ومُلحّة.

وليس المقصود بهذه الدعوة إلى التأمل أن يخرج الفنان عن طوع سطوة ألوانه وحديّة تعبيرها، ولا أن يتخلى عن التماس العصبيّ ما بين الألوان التي تريد الإعلان عن ذاتها عبر التناقض وفعل “العصف” كهوية وكمنحى شعريّ صاخب، بل هي دعوة للإطلالة، أو لنقل إلى الإنصات إلى ما هو أبعد من الاصطدامات اللونية نحو “المراوغة” اللونية، التي برع فيها الفنان إيلي كنعان.

من المؤكّد بأن نص ريبال الفني متأثر بنص والده الفني/ التجريدي، ولكنه نابع أكثر من قدرته على ترجمة ما هو سمعيّ بما يكنزه من زياحات وانكسارات موسيقية ولحظات صمت خاطفة وأخرى ممعنة في التلاشي على السواء.

نص ملاعب الابن هو نص تجريدي بكل ما تعني الكلمة من معنى، تجريدي المنطق والهيئة. ويؤكّد على هذا ما قاله الفنان عندما حاول وصف فنه وما يعني له، قائلا “أن تكون فنانا يعني أن تستمر في ابتكار عزلة هي خاصة بك وحدك دون غيرك من الناس.. الفن هو ملاذي. وممارستي الفنية أراها تغوص أكثر فأكثر في ما هو ميتافيزيقي: كم من الأبعاد بوسعي أن أقبض عليها مُتلبسة بالألوان والأشكال؟ أي عالم غير مرئيّ بوسعي أن أبتكره أو أن أراه فأصوّره؟”.

لوحات مبنية على التناغم والتناسق الإيقاعيلوحات مبنية على التناغم والتناسق الإيقاعي

ـ العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق