شخصيات فنية

فرغلى عبدالحفيظ فارس التعبيرية المصرية

الفنان حرص في أعماله على أن تعكس ملامح بيئته الأصلية وهويته التي ارتبط بها.

ولد الفنان فرغلي عبدالحفيظ عام 1941 في صعيد مصر. حرص الفنان في أعماله على أن تعكس ملامح بيئته الأصلية وهويته التي ارتبط بها مرورا بآخر معارضه الخاصة بجاليرى الزمالك للفن “إلهام اللون الأصفر” في شهر مارس/آذار 2021، وما قبلها من معارض سابقة مثل، إيحاءات اللون الوردي، مصر ستعاود العطاء، روما … فرغلي، أثينا فرغلي، مصر التي أعشقها لا تموت، باريس فرغلي،  النيل، لندن فرغلي، وغيرها من المعارض العديدة سواء كانت معارض خاصة أو جماعية أو دولية، وغيرها كلها كانت تعكس رؤى وقناعات الفنان المصرية، وتعكس بشكل واضح ومباشر الملامح والمعتقدات الخاصة بالفنان من خلال أعماله، فمنذ نشأته في ديروط صعيد مصر ولدت البداية التي شكلت الإنطلاقة الأولى لتجاربه الفنية، وحددت رؤيته التشكيلية بحثا عن جذوره الفنية في التراث الشعبي، وفي البيوت النوبية والريفية في مصر منقبا وباحثا عن جماليات وخصائص بالغة الخصوصية والإنفراد من بين جنبات البيئه المصرية، ويؤكد الفنان على أهمية تتبع الفن الشعبي والمحافظة عليه ودراسة تاريخه وكيفية الإستلهام منه بشرط أن يضيف إليه، وهذا ما حرص عليه الفنان من خلال أعماله الفنية الشعبية، حيث بحث وتعرف على معاني ودلالات وطبيعة الموضوعات الشعبية، وكيفية التعامل معها وإسقاط الدلالات بعد التعرف عليها، والتعامل مع جماليات الفن الشعبي، ويتجلى الطابع الشعبي في أعماله من خلال تأثره بالملامح والزخارف والأشكال الشعبية حيث أكد على العنصر الآدمي المستوحى من البيئة النوبية والذي يتصدر مقدمه المشهد التشكيلي في أعماله الفنية الشعبية، كما اكتمل وتبلور أسلوب الفنان في استخدام الإتجاه والطابع الفطري القريب من السمات الشعبية في التعبير حيث صاغ موتيفاته  التصميمية بأسلوب مبسط وتلقائي بعيدة عن الدراسات الواقعية حيث استثمر الفنان رحلته إلى النوبة قبل إغراقها بمياه السد العالي وتأثر بأسرارها الفنية والروحية وبالمناظر الطبيعية للنوبة وقوة الضوء في تلك المنطقة فعبر عن الإنسان بشكل مجرد كالعروس وعلاقتها بالبيئة من بيوت وأرض ومساحات شاسعة تغطيها الشمس بضوئها القوي، وقد اختزل الصياغة الآدمية الأنثوية في بعض أعماله التشكيلية لتأخذ شكل العروسة وتحتل مساحات كبيرة في معظم أعماله، حيث تدور معظم لوحاته حول رحلة انبثاق العروسة وعلاقتها بالبيوت النوبية في مضمون تجريدي رمزي يعبر عن الإنسان وعلاقته بالبيئة، وقد صبّ الفنان كل ما في الطبيعة النوبية ولخصه في تلك العروسة الهندسية الطابع بصياغاتها المتجددة في لوحاته معبرا بها عن حالات من التلاحم بين الفن والطبيعة، حيث يجمع بين جمال الطبيعة في مصر وجمال الفن.

صاغ الفنان الشمس بشكلها المستدير حيث تؤثر في كل العناصر الطبيعية، كذلك شغلته الموتيفات الآدمية متخذا إياها أداة للتعبير لينتج لنا شكل العروسة مصاغا بتنوع وتلخيص في مساحات مختلفة ما بين المثلث ونصف الدائرة والمستطيل والمربع في ترتيب تناغمي يدل على الوحدة والتنوع، ففي صياغات وموتيفات الفنان لعنصر الرجل يكون الجذع عبارة عن مستطيل والرأس دائري أو نصف دائري أو مثلث كما ميز صياغات وموتيفات جسم المرأة الذي ركبه في عناصر هندسية مختلفة في شكل مثلثين متساويين ومتقابلين عند الزاوية.
الخط الهندسي المكون لصياغة العروسة لدى الفنان وتلخيصه الشكلي أدي إلى وظيفته في تلخيص الشكل والتعبير عن هيئته في رمزية شديدة داخل بناء العمل ككل، وهكذا تميز الفنان بمعالجاته التشكيلية لعناصر وخامات البيئة التي تنبثق من رحم خبرات الفنان ومعرفته بالطبيعة ومن تآلفه مع الخصائص الفطرية لتراثه القديم وعشقة الجم له، المعالجات التشكيلية لموتيفة العروسة التي تاخذ طابع الرجل والمرأة في أعمال الفنان حيث تميز أسلوب بناء الموتيفه عند الفنان بأسلوب التفكير المتنامي لصياغاتها، مستحدما التفكير العميق والمتأمل في استخدام وصياغه أسلوب التجريد الهندسي مستخدما أشكالا هندسية كالدائرة ونصف الدائرة وربع الدائرة والمثلث والمربع والمستطيل في صياغاته لهذا العنصر، كما لجأ إلى صياغة الرأس بنفس العناصر وترتيب باقي نسب الجسم من تداخل هذه الأشكال الهندسية، فعبر عن الأرجل بمثلث مقلوب يخترق مساحة هندسية، ليحولها إلى جزأين أسفل جسم العروسة، أما المنطقة الصدرية فقد صاغها الفنان من مربع أو مستطيل تخترقه خطوط متقاطعة تؤدي إلى تقسيمه إلى مثلثات، والجزع صاغه الفنان عبارة عن نقطة تقابل بين منطقة الصدر والأرجل ليظهر الجذع في هيئة نحيلة ليجسد به شكل المرأة، أو في شكل مستطيل إنسيابي ليجسد شكل الرجل، كما مارس الفنان بعضا من المعالجات التشكيلية التي رسمت معالم أسلوبه الفني مثل أسلوب الضغط أو الاستطالة لتناسب عنصر العروسة، كما وظف الفنان الموجب والسالب لتظهر العروسة مرة كشكل أو كأرضية مساحة بين صياغتين تؤدي إلى صياغة ثالثة وهكذا استطاع أن ينوع ويعدد في صياغاته لعنصر العروسة وصاغها بأسلوب بديع وتقنية فريدة، كذالك موتيفة البيت التي تشكلت من خلالها صياغاته وموتيفاته لهذا العنصر عند الفنان بشكل مبسط لا يحاكي الواقع ولكن يعبر عنه في إيجاز شديد فهي هيئة دائما مربعه أو مستطيله بها فتحات تمثل الأبواب والشبابيك وصيغت هذه البيوت دائما بشكل مسطح من الأمام والوجهة ومثل صياغات بعض العرائس على الأبواب والشبابيك في علاقة تكاملية مثلت تكوين أغلب الأعمال، والفراغ المسطح له بعدان يتكون من خلال خطوط هندسية تمثل صياغات لعنصر العروسة وعلاقته بالبيوت، مما نشأ عنه ميلاد علاقة متبادلة بين العناصر والموتيفات المصاغة ساهمت هذه العلاقة في استحداث جدلية  تبادلية في بعض الأحيان أو متداخلة في أحيان أخرى.

في بعض الصياغات مثلت العروسة الموجب والسالب كما عبر الفنان عن الشفوفية في علاقاته أو الاختراق أو علاقة الشكل والأرضية، وفي علاقة الصياغات التصميمية كجزء وبناء العمل ككل حيث مثلث تلك الصياغات هيكل بناء العمل، كما مثلت المحاور الأفقية والرأسية والمائلة والمنحنية أساس بناء ترتبت عليه كل الصياغات حيث نلحظ في أسلوب الفنان أنه اتسم بتأملات فلسفية من خلال تحاور العروسة مع البيئة المحيطة بها وما تخفيه من قوى تعبيرية كامنة لدى الفنان كما إستحوذت الطبيعة على إهتماماته الأولى في هذه المرحلة، فتعامل معها بموقف جمالي وفكري تعدت حدود الطابع الإستعراضي أو الحدث التمثيلي ليكشف عن مكنونات وأسرار هذه البيئة، أما من الناحية التشكيلية فقد ازدادت علاقة الشكل بالأرضية حيث لا تقف الأرضية موقف الخلفية، ولا يقف الشكل موقف العنصر المحاط بالأرضية، فالأرضية تنمو كما ينمو الشكل تماما، فلا يبدو الشكل ملاصقا ولكنه يبدو متعانقا مع الأرضية.
يتعامل الفنان مباشرة مع الحيز والمسافات والفراغات التي توفرها قاعة العرض لتحقيق البعد الثالث الحقيقي، كما ظهرت قدرة الفنان في استخدامه للظل تجسيما لإختلاف الأبعاد على أرضية اللوحة مما زاد التقارب بين الشكل والأرضية كما زاد الترابط بين أجزاء الشكل المختلفة، وتبقي العروسة بالرغم من عصريتها مصدر الرؤية الشعبية المستلهمة من الشكل التقليدي للعروسة الشعبية، مما يؤكد انتماء الفنان للتراث وشغفه بالفن الشعبي، كما اهتم الفنان بتقسيم مسطح العمل الفني وظهر في العديد من أعماله التقسيم الهندسي للسطح حيث ظهرت الخطوط أو التقسيمات الأفقية وانتظام الأشكال الرأسية عليها، إلى جانب استخدام الفنان للخامات الطبيعية كعنصر أساسي للبناء العام في العمل الفني، ويتجلى ذالك في الكثير من أعمالة متخذا أسلوبا فريدا يتسم بالعمق والتعبيرية عن الهوية المصرية العاشق لها الفنان ويعتبر أحد فرسانها.

ـ ميدل ايست اونلاين

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق