حوارات وتحقيقات

فاروق حسني: أنا «حالة» .. ولا أرسم إلا إحساسي

النشاط المتسعة دائرته سمة تحلَّى بها الفنان فاروق حسني منذ نشأته فى الإسكندرية التي يحمل لها عشقا خاصا في قلبه حتى الآن.. فقد بدأ مسيرته بعد تخرجه في قسم الديكور بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية ثم مديرا لقصر ثقافة الأنفوشي، مرورا بسطوع نجمه مديرا للمركز الثقافي المصري بباريس وانتقاله مديرا للأكاديمية المصرية للفنون بروما، وهو ما أهَّله إلى النجاح في المناصب التي تولاها ليصبح وزيرا للثقافة عام 1986، ولتبدأ حقبة جديدة من ازدهار مناحي الثقافة ومجالاتها الإبداعية المتنوعة محليا وعربيا ودوليًّا، لتمتزج الثقافات في تبادل لم تشهده الوزارة من قبل. كما حاز الفن التشكيلي رواجا واهتماما لم يسبقه فيه إلا الدكتور ثروت عكاشة في ستينيات القرن الماضي، ولم لا؟ وهو الفنان التشكيلي فى الأساس والذي حفر اسمه في دائرة الفن العالمي مؤمنا برسالته ومبادئه ووعيه وعمق إدراكه الفني.

المثقفون الذين عاصروا تلك الفترة – المختلفون معه أيامها قبل المؤيدين– يشيدون بإنجازاته حيث منحته السنوات الطوال في كرسي الوزارة الفرصة لتحقيق أحلامه من المشروعات التي كان يستعين بعلاقاته قي تمويلها ولم يكلّف الدولة أي أعباء مالية – على حد قوله – انطلاقا من كونه فنانا يعتز بمصريته، ووطنيا مخلصا شرّف مصر في المحافل الدولية.

-ومن اختيار قراء « نصف الدنيا » كأفضل فنان تشكيلي للعام بدأت معه بالسؤال:ماتفسيرك لهذا الاختيار؟

أجاب فاروق حسني بابتسامة ودون تردد: اسألهم، هم الذين اختاروا، عموما أنا أشكر قراء نصف الدنيا على اختيارهم لي.

– قلت له سأجيب أنا: لأن الاستفتاء مرتبط بالعام 2020 وأبرز ما فيه نشاط مؤسستكم المتميز والمتفرد بجدارة في ساحة الفن التشكيلي المصري للعام الثاني، ولذلك أتساءل: هل هناك من تطوير –

وهو واحد من سماتك – قد طرأ على النسخة التأسيسية؟

– أجاب: هي مؤسسة – كما تعرف – مُخَصَّصَة للشباب في كل أفرع الفنون. وأنا سعيد بها، وما أضيفه لها لا أعتبره تطويرا؛ بل استعدادا للهدف، الذي يتمثل في الإبداع وكل إبداع له قيمة تعود على كل المحيطين حتى نصل إلى الهدف، الذي هو الوطن.. قدمنا في الدورة الأولى جائزة واحدة لكل المشاركين، وكانت في مجال التصوير والرسم – كمجال واحد – فقط، هذه الدورة أصبحت مجالات التنافس خمسة: النحت والفوتوغرافيا والنقد الفني والعمارة بالإضافة إلى “التصوير والرسم”، وهي تغطي كل مجالات الإبداع الفني.. كنت أتمنى إضافة الإبداع الأدبي؛ لكن هناك مؤسسات خاصة أخرى تقوم برسالتها في هذا الجانب.

– وبالطبع تقدم عدد كبير من الشباب للمشاركة في هذه الدورة؟

– تلقينا في الواقع أعدادا كبيرة؛ فقد وصل عدد المتقدمين للتصوير إلي 664، وفي النحت 106، أما في النقد الفني فتقدّم 24 شابا، وقد كان العدد مفاجأة غير متوقعة لأن ذلك يبشّر بمولد نقاد جدد وباحثين يسدون فراغ هذا المجال المهم، وحددنا موعد تسليم الجوائز في الخامس من يناير 2021 ولكن مازال الموعد غير نهائي بسبب الظروف التي نعيشها جميعا.

– هذا العام شهد إهداء إحدى لوحاتك إلى بيكاسو وسط حضور جماهيري كبير.

– أهديتُ لوحة إلى بيكاسو هذا العام في معرضي الذي أقمته في شهر مارس، وضم 62 عملا، وكانت هذه اللوحة الأكبر مساحة. فمنذ أكثر من 25 سنة وأنا أتعامل مع التقنية متعددة الخامات وكانت تتضمن “الكولاچ” الذي يعتمد على لصق خامة أو أكثر في اللوحة، وتركته في مراحلي التالية، وخلال إعدادي لهذا المعرض وجدت نفسي في “حالة” تجعلني أستعيد هذه التقنية وراودتني أن أستخدمها وقدمت مجموعة من الأعمال التي تحتوي عليها تمثّل الأغلبية في المعرض، والكولاچ هنا نوع من أنواع التفاعلية بين ما يرسمه الفنان وبين الخامة التي يلصقها.. هذا شق التقنية، أما شق الإهداء إلى بيكاسو فيرجع إلى أنني من أشدُّ المعجبين به لجرأته وشجاعته واستمراره في قناعاته وكذلك اكتشافه المذاهب الجديدة التي رسَّخَها في عالم الفن الحديث، وكثير من الفنانين تأثروا به واستلهموا من أفكاره، أنا قصصت جزءا من لوحة له وأكملتها برؤيتي، ولأنه البطل والمُلْهِم في اللوحة؛ أهديتها له.

– من خلال الحديث عن المعرض أسأل عن مفاتيح التواصل بين أعمال فاروق حسني وبين جمهور المتلقين؟

الإحساس والعاطفة.. لا أرسم إلا الإحساس، فإذا كان هذا الإحساس يتواءم مع إحساس المتلقي؛ فسوف يلقى قبولا، وليس بالضرورة أن يتواءم مع كل الأعمال..من الممكن أن يحدث هذا في لوحة أو اثنتين أو ثلاث أو أكثر وحسب، والمسألة لا تحتاج إلى متخصص أو غيره، لو تأملها المتلقي بعض الوقت سيتفاعل معها بعد أن يتسرّب داخلها – والعكس بالعكس – أن تتسرب داخله لأن الفن كما قلت مشاعر وأحاسيس.. الرسم الواقعي بدأت به واستمر معي فترة طويلة من عمري، وفي هذه الفترة كنت أُصَنَّف رسّاما شاطرا، ورغم ذلك اتجهت إلى التغيير حينما شعرت بأنه محدود بالنسبة لي ولا يناسبني بالرغم من أنه قيمة كبيرة جدا وأقتني أعمالا كثيرة – كما تعرف – في هذا الاتجاه، وكذلك التشخيصية، وهما نهج معظم أولادي من شباب الفنانين الذين فازوا بمسابقات المؤسسة في دورتيها.. لكنني حينما أريد أن أعبّر عن نفسي أتجه إلى التجريد وأعتبره الفن الذي يَخْلُد.

– أحد أهم إنجازاتك كان المتحف المصري الكبير.. كيف تراه الآن؟

– مشروعان أعتز بهما: متحف الحضارة والمتحف الكبير؛ متحف الحضارة انتهى العمل فيه تماما في سبتمبر عام 2011 وجاءت الثورة فأوقفت افتتاحه كل هذه السنين، لكن الحمد لله أنني رأيت الحلم قد تحقق وأصبح جوهرة بعد ما تم تطوير المنطقة المحيطة بالكامل.. أما المتحف الكبير فهو يليق بأكبر دولة حضارية في العالم تحتضن حوالي ثلثي آثار العالم، وهو ما بدأناه، والعمل فيه على قدم وساق، وأنا سعيد لقرب افتتاحه.. هذه المشروعات استطعنا أن نضع أساساتها يوما ما ونستكملها الآن رغم تغيّر الظروف، وأُحَيّي الدولة التي تقف وراء هذه المشروعات العملاقة في الثقافة والآثار جنبا إلى جنب مع المشروعات الجديدة والمتجددة في الإسكان والمدن والطرق. واضح من المشروعات والأعمال التي يتولاها الرئيس عبدالفتاح السيسي بنفسه الآن أنها علامة لما هو قادم؛ فالرئيس لا يغيّر ما هو قائم فقط لكنه يطوّره بأسلوب علمي ويعجبني أنه يهتم بأشياء صغيرة لم يذهب إليها أحد قبل ذلك، وهذا يعني أن الأعمال الكبيرة بخير..وهذا كله يجعل مصر في مصاف الدول المتقدمة، وأكبر دليل على ما أقول العاصمة الإدارية الجديدة التي تضم مدينة كاملة للفنون ستخدم الفن.. أنا لم أرها؛ لكني أسمع عنها وأتابعها كإضافة كبيرة للإبداع والفنون.

– ما الفارق بين الإسكندرية فى أعوام النشأة نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي والآن مع بداية العشرينيات من القرن الواحد والعشرين؟

أنا “إسكندراني”.. لكن الإسكندرية المدينة التي أنتمي إليها غير موجودة الآن..عروس البحر الأبيض المتوسط سيدة كانت غاية في الجمال حتى أصاب وجهها الحروق والتشويه.. الارتفاعات الجنونية للبنايات والعشوائيات والضوضاء الناتجة عن الازدحام.. لذلك حينما اخترت بيتي؛ شيدته على أطراف المدينة في سيدي كرير حتي أستمتع بالشمس والهواء والهدوء.

– لو انتقلنا إلي هذا العام (2021) الذي يقبل علينا؛ ماذا تتمنى أن يحدث فيه؟

– أن يتم اكتشاف لقاح نهائي وناجح يحمي البشرية من “كوڨيد 19» حيث أعتبرها جائحة مليئة بالطغيان على البشرية في تهديد وتوعُّد للبشر، وأرى أنه انتقام الأرض والطبيعة منهم حيث أساءوا إليها ليدركوا أن أي تعامل غير لائق مع الطبيعة؛ سيؤدى بهم إلى هذا المصير.. ونحن نرى أمامنا الحالات المهولة التي تصاب والتي تموت. لقد أفقدتنا الجائحة البهجة وقطعت الوشائج العاطفية بين الأب وابنه وكل من حوله؛ فلا توجد حياة اجتماعية ولا تواصل اجتماعي أُسَرِيّ، وأدعو الله أن يحفظ أهلنا في العالم وفي مصر خصوصا شبابنا وأطفالنا.

– الفنان فاروق حسني : في إجابات قصيرة حول العام المنصرم، ماذا تقول عن: أداء وزارة الثقافة؟

الدكتورة إيناس عبدالدايم وزيرة نشطة تقدم كل ما يمكن في ظل الظروف المتاحة لتكون مؤثرة في الشباب والمجتمع ككل.

– انتخابات مجلس النواب؟

انضمام الشباب بكثافة سيجعل الطموحات كبيرة وهو ما يُكسب المجلس القوة والجرأة وأتمنى أن يكون هذا البرلمان ما كنّا نتوق إليه منذ زمن بعيد، فالشباب هم طاقة الحاضر وأمل المستقبل.

– المتحف الذي تتمنى أن يضم أحد أعمالك؟

متحف الفن الحديث بباريس أو نيويورك أو متحف “التايت جاليري” في لندن.

*نصف الدنيا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق