مقالات وكُتاب

شيء من الذاكرة.. بقلم الفنان التشكيلي والكاتب السعودي / أحمد فلمبان

قراءة في أعمال المعرض الشخصي للفنان التشكيلي سعيد محمد العلاوي

سعيد العلاوي الفنان المخضرم صاحب التجربة الثرية التي بُنيت على معطيات سنوات طويلة من الجد والمثابرة والكفاح ، عكف خلالها من أجل الوصول إلى مسعاه في منتجه الفني إلى ما يمكن اعتباره الفن الخالص القائم على توازنات التشكيل البحت والأسلوب الخاص المتفرد، ففي مجموعته “شيء من الذاكرة” نلاحظ إبرازه المعالم الهندسية والبنائية والزخرفية العالقة في ذكريات الماضي من خلال رؤيته الفنية فيما يتعلق في آثار البيئة الحجازية القديمة والأحياء الشعبية والمنازل والمساجد ، وتصوير بعض المعالم التي أختفت مع عوامل الزمن ومبدأ التغير والتهجين ، وتلاشي العديد من القيم والتقاليد والتي أصبحت الآن من التراث لا يعرفها ولم يراها الجيل الجديد بالرغم من إنها لم تمض من السنين نصف قرن.

وفي طرحه هنا يؤكد في منظومته التشكيلية البساطة والعفوية في الطرح التشكيلي على شاكلة التلقائيين في مفهومهم والتنفيذ في تقنيتهم، وعلى منحى الوحشيين في معالجة اللوحة على الضوء المتجانس والبناء المسطح دون استخدام الظل والنور أو الاهتمام بالقيم اللونية ، ولكنهم يبالغون في تعددية المفردات وزخمها وتكاثرها ونشرها في كل مساحة اللوحة وإظهارها بشكل عشوائي عفوي طفولي مبسط ، وهي تشبه الرؤى المجهرية للعوالم الصغرى التي تضج الحياة فيها على مقربة منا وفينا ولا نلمسها ، وهذا في ظني يمنحه الكثير من الحرية في الممارسة العملية والإنفكاك من عنق الفكرة ،وعدم التقيد بتسجيل الإنطباعات المرئية فقط ، بل يعبر عن مختزل الذاكرة والقيم الروحية والأسطورة أو المتوارثات من الحكايات والأساطير والمرويات التي كانت تُروى عن طريق الأمهات والجدات كما ينتهجه العديد من الممارسين والمتعاطفين مع للمدرسة التعبيرية في هدفهم الفلسفي في عدم الفصل بين الإحساس عما يكنونه للحياة وبين طريقتهم في التعبير عنها ، وفي نسقهم التقني مع الوحدات التكوينية مكونة عناصر جمالية تعزز الجو البيئي في مساحات صرحية كبيرة داخل تكتيكات خاصة والتخلي عن المنظور التقليدي والمتبع في المقاييس الأكاديمية فيما هو مباشر ومرئي في الأعمال المنجزة.
 وفي حسها التقني تقترب إلى الاتجاهات الجرافيكية بالنهج التجريدي ، بتواجد الأشكال المتعددة الملموسة والتي تتماشى في بعض الأجزاء مع المفهوم ( الماتيسي) للفن ، يؤكد كل هذه الأدوار ، الظل الغامق بعدة درجات وغير مجسد بلمسات رقيقة في تكنيك عرف في المصطلح التشكيلي الأوربي بـ (feathery ) أي الريشي والذي تكون فيه لمسات الفرشاة رقيقة الملمس وخفيفة بما يشبه الريش ،لتعزيز الفكرة الكامنة في الموضوع ، مكونة ظلال أشبه باللؤلؤ الأسود حيث تظهر الرموز والمضامين المتمثلة بأشكال المثلث الطولي والمربع الحلزوني والخط المتعرج الغامض ، والتوازن في التكوين والكتلة والبناء في استخدامات الأشكال الهندسية الراسخة والساكنة والحرية في استخدام الخطوط العفوية أعطتها نوعا من الرشاقة والدلال ، مظهرا الملامح العامة لتلك الرؤية المختزنة في الذاكرة والتي تحمل بشكل صادق وواضح حنينا الى الماضي الجميل ، والمفردات العشوائية المنتشرة في اللوحة يشبهن سحابة من عطر، مؤهلاتٌ بشكل لا شبيه له للإلهام، الهام الشعراء والفنانين. والذي يتيح عددا لا حصر له من التأويلات والتفسيرات لحل رموز تلك الطلاسم ، وهذا كما يبدو لي، مسعىً مقصودٌ من الفنان في أن يجعل النهايات مفتوحة، متعددةَ الاحتمالات . للوصول إلى توازنات جمالية فريدة خاصة به.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق