حوارات وتحقيقات

شقائق النعمان في لوحات الفنان السورى ضياء الحموي تروي وجع وطن .. بقلم ميموزا العراوي

أعمال فنية تحاكي عطش الأرض السورية للأمطار

يشكل الفنان السوري ضياء الحموي فرادة في عالم التشكيل العربي. وإن كان من أهم مواصفات التجريد إغفال إعطاء الموجودات أشكالا متعارفا عليها. فالفنان الذي لم تزل مدينته حلب وريفها بحضارتها العريقة وزخارفها الشرقية تسكن روحه، يُنطق الرموز في لوحاته التجريدية والتشكيلية على السواء ليهبها بصرية مُحددة المعالم، ولكنها مفتوحة على التأويل.

 نشر الفنان السوري ضياء الحموي مؤخرا على صفحته الفيسبوكية عملين فنيين يحاكيان عطش الأرض السورية للأمطار، وقد تنسحب هذه الأعمال لتطال، ما تؤسّس له من مشاعر وأفكار، الحرائق التي اشتعلت في الأحراش السورية المأهولة بالأشجار والمحاصيل.

دعوات جمالية

أرفق الفنان هاتين اللوحتين بهذه الكلمات “يا كل غيوم المطر في العالم، امضي واهطلي في سوريا” و”صلاة استسقاء من أجل سوريا”. وإن كانت اللوحة الأولى مفعمة برطوبة الجو وعذوبة الدعوة المُستجابة، لا محالة، فاللوحة الثانية تنضح بشعرية الإلحاح في الصلاة والقلق من عدم الاستجابة السريعة.

يظهر في أسفل هذه اللوحة حقل أحمر لا يتميز بتفجّر ظاهر للعيان بل بـ”حُنقة” كامنة ومُعبّرة عن اختناق من فعل النداء المتكرّر. إنه نداء أزهار شقائق النعمان (العزيزة على قلب الفنان)، ولحن صوتها المُتمثل بصريا بما يشبه الإبر الدقيقة والمضيئة صعودا نحو سماء متلبّدة بالغيوم الحاملة للمطر.

وليست زهرة شقائق النعمان في لوحات الفنان دائما بالزهرة حاضرة الملامح والبتيلات، إذ يجرّدها الحموي في أكثر من لوحة من هيئتها، لا بل يحرّر روحها حتى تصبح رمزا مفتوحا على التأويل.

تأويل يُتيح به لكل مُتلقّ أن يبتكر المعنى الذي يجده مناسبا له، وذلك وفق مخزونه الثقافي والنفسي. وإضافة إلى تحويلها إلى رمز ثري بالمعاني، يجعلها الفنان في لوحات أخرى كيانا ساردا للقصص التي تجري من حولها في فضاء اللوحات. نشير من تلك اللوحات إلى التي أرفقها الفنان بآية كريمة من القرآن الكريم “فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان”.

وفي لوحات غير تلك الراشحة بتجريدية غنائية مؤثرة كما في لوحة علّق عليها ضياء الحموي بهذه الكلمات “الإغواء الأبدي لشقائق النعمان”، والتي “يشطب” فيها الفنان السوري الأزهار بخط مائل صعودا حتى أعلى اللوحة مُبدّلا في شكلها ومُبدّدا لحدودها، في غير تلك اللوحات، جعل الفنان شقائق النعمان ساكنة لهيئات أشياء معروفة، لكن دون أن “يُقزّمها” إلى تفصيل تزيّني باهت.

ونذكر من تلك اللوحات التي رسم فيها الفنان “ستائر” شرفة ليست هي إلاّ ستائر “لشرفتها”، أي شرفة الأزهار. كما أعلن الفنان في كلام له، استعاره من شاعر الأرض محمود درويش، مقرونا بعمل فني له تتألّق فيه زهرة شقائق النعمان في وحدتها عن شمولية هذه الزهرة بالنسبة له “كم أحبك، كم أحبك كم سنة/ أعطيتني وأخذت عمري كم سنة. وأنا أسميك الوداع ولا أودّع غير نفسي.. كم سنة”.

وتأخذنا هذه اللوحة بشكل خاص إلى لوحة أخرى وصل فيها الفنان إلى حالة “الشخصنة” الكاملة. شخصنة مُحببة لم يحرم الفنان أزهار الشقائق منها. إنها اللوحة المؤثرة التي لا تخلو من الطرافة بدت فيها الزهرة مضرجة برداء “ليلى” الأحمر في لحظة لقائها بحضور، غير مرئي لنا، بذئب الغابة. علّق ضياء الحموي على هذه اللوحة كاتبا “الوحش يعثر على الحسناء في غابة البتولا”. لوحة تسرد أكثر من صيغة لمشهد واحد.

للفنان ضياء الحموي لوحة أخرى أشار فيها إلى العنصر البصري الثاني والمهم في عالمه التشكيلي. عنصر هو في أحيان كثيرة مُرافق لأزهار شقائق النعمان. نقصد هنا أشجار البتولا أو ما يسميها البعض بأشجار الصنوبر الحلبي. عنوان اللوحة “حديث الصباح والمساء في غابة البتولا”.

تموجات خطية

من خلال هذه الشجرة الفارعة الطول – اشجار الصنوبر – ذات الأوراق المتفرقة والتي يتميّز جذعها بتقشرات وتقطعات لافتة جماليا، استطاع الفنان السوري أن يبني عالما فنيا قائما بذاته يشي بعشقه للزخارف الشرقية والتموجات اللونية والخطية المتوترة العابقة بتلاقي الظلال بالأنوار.

كثرت اللوحات التي ظهرت فيها جذوع تلك الأشجار لتكون في بعض منها لوحات تشكيلية وفي بعضها الآخر تجريدية/ غنائية وصولا إلى كونية ارتجاجية كقطعة موسيقى لا بداية ولا نهاية محددة لها.

فالفنان يبدو أنه من هؤلاء الفنانين الذين لا يحبون التشكيل المغلق ويفضلون لانهائية الانسياب الذي لا يستطيع أن يكون مُعبرا بكليته، إلاّ إذا كان مفتوحا.

من نسغ أزهار شقائق النعمان ولحاء أشجار البتولا يقوم عالم فنان ضياء الحموي. عالم تجري فيه تحوّلات مستمرة وفيه تتدفّق أيضا زرقة السماء الشرق أوسطية وبحرها الذي يحب أن يُظهر في لوحات الفنان الحلبي روح الأنهار والأشجار وأزهار شقائق النعمان دون أن يفقد هديره وملوحة رذاذه.

وولد الفنان التشكيلي ضياء الحموي في حلب عام 1963 ودرس الفنّ دراسة خاصة، وأعماله مقتناة من وزارة الثقافة السورية وضمن مجموعات خاصة، كما شارك في عدد من المعارض المشتركة منها معرض مع الفنان نهاد ويشو في صالة المتحف الوطني في حلب عام 1985، ومعرض الفنانين الستة في صالة “بلاد الشام” في حلب عام 1995، ومعارض جماعية داخل سوريا وخارجها. وسبق له في العام 1997 أن عرض جدارية “السيرة الذاتية للطائر الضليل” في صالة “عالم الفنون” في بيروت.

 

تجريد أشبه بقطعة موسيقية لا نهاية لها
تجريد أشبه بقطعة موسيقية لا نهاية لها

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق