مقالات وكُتاب

سمير فؤاد يكتب: لعب الأطفال والفن التشكيلى

فى سنين الطفولة مثل أطفال كل مكان وزمان كنت مغرما باللعب.. وكانت اللعب الأثيرة لدى لها علاقة مباشرة بما أشاهده ويستثير مشاعرى.. عربات الإطفاء ذات اللون الأحمر القانى وجنودها ببزاتهم الزرقاء وخوذاتهم النحاسية وصوت الجرس النحاسى بصليله المستمر.. عربات نقل الجنود النصف مجنزرة التى كانت تمر أمام نافذة المنزل محدثة صريرا طويلا على الأسفلت.. أما المكان الأثير فكان لوابور الزلط بهيكله المدملك وعجلته الأمامية الأسطوانية الضخمة والحدافة الدائرية الجانبية والمدخنة الطويلة التى تبصق دخانا أسود.. كما كنت مغرما بالأسلحة خاصة الخوذة النحاسية المتوجة بالريش الأحمر والدروع البراقة والتوجا الحمراء والسيف الرومانى.. وكان هذا من تأثير الأفلام التاريخية عن العصر الرومانى التى كنت أشاهدها من نافذة المنزل فى السينما الصيفية المجاورة والتى كانت أفلامها وأفيشاتها من المؤثرات البصرية الهامة فى نشأتى.

ولكن أكثر هذه الألعاب اقتصرت علاقتى بها على رؤيتها فى نوافذ محلات ألعاب الأطفال فلم أتلق فى طفولتى ألعابا بالكثرة التى تمتع بها بعض أصدقائى الموسرين فلم يكن فى قاموسنا حفلات عيد الميلاد.. وكان التقليد الوحيد الذى اتبعه والدى فى يوم عيد ميلادى هو اصطحابى إلى استوديو تصوير مواجه للمنزل على الناحية الأخرى من الميدان لأخذ صورة تذكارية.. وقد حافظ والدى على هذا التقليد حتى بلغت سن الثانية عشرة فتركنى بعدها أذهب بمفردى فداومت لثلاث سنين ثم توقفت.. وكان نتيجة هذا مجموعة من الصور تسجل تطور ملامحى من سن الواحدة حتى الخامسة عشرة.. ولكنى من حين لآخر علاوة على الصورة الفوتوغرافية حصلت على بعض الألعاب التى كنت ألح فى طلبها فحصلت مرة على عربة إطفاء ومرة أخرى على دبابة أو عربة مصفحة لا أذكر.. ومرات عديدة على المكعبات الخشبية التى تكون صورا أو عليها حروفا تكون منها كلمات.

كنت دائما أمل من اللعبة بعد فترة فأقوم بتفكيكها لمعرفة ما بداخلها وكيف تعمل وخاصة ذلك الزمبرك اللولبى العجيب الذى يجعلها تتحرك عبر مجموعة من التروس.. وكنت أحاول تجميعها مرة ثانية إلا أن الفشل كان يحالفنى وتحولت كل ألعابى بطريقة ممنهجة إلى قطع من الصفيح التى كان مصيرها صفيحة المخلفات.. ولهذه الأسباب بدأت أصنع الألعاب الخاصة بى.. أول ما أذكره هو هذه العربات التى كنت أجمعها من بكر الخياطة الذى كانت تعطيه لى جارة طيبة يهودية عجوز اسمها بيرتا كانت تعمل حائكة للملابس.. ثم تحولت إلى زعف النخيل الذى كنت أحصل عليه من نخلة وحيده بحديقة المنزل.. صنعت القوس والسهم مثل الهنود الحمر وروبن هود والسيوف والرماح مثل أيفانهو.. كما صنعت غطاء الرأس من أوراق الجرائد على هيئة مركب مقلوبة والدروع من العلب الكرتون.. وكان عندى حصان خشبى كنت أمتطيه وأنا أستعمل هذه الأسلحة.. ولكن قمة المتعة كانت تأتى من الغطاء الخشبى لماكينة الخياطة السنجر لوالدتى والذى كنت أقلبه رأسا على عقب فيصبح على هيئة قارب وأحشر جسمى الصغير فيه وأستعمل يدى لدفعه من ناحية لأخرى فأتراجح كأنى فى قارب يصارع الأمواج.. كنت أيضا مغرم بعروسة المولد النبوى التى كان يستثيرنى شكلها وزينتها المفضضه وورق الكوريشة الملون والخلفية المكونة من دوائر ملونة من الورق المزجج.. ومن المحتمل أننى تخيلتها قطر الندى أو ست الحسن فى الحواديت الشعبية التى كنت أسمعها فى طفولتى من البنات الذين كانوا يفدون من البلد لمساعدة أمى فى أعمال المنزل.. وساهم فى تعلقى بها أن الحصان الحلاوة كان يفرض علىَّ لأننى ولد وعيب أن أشترى عروسة.. وبالرغم أننى أحببت الحصان بالعلم الأحمر ذى الهلال والنجمة الوحيدة والذى كان من تراث الحكم العثمانى إلا أننى ظللت أحب العروسة أكثر.

تؤثر لعب الأطفال فى تنمية المهارات اليدوية والعقلية للطفل وهو فى طور النمو.. كما تساهم فى تطوير رؤيته البصرية والوجدانية والإبداعية وتنمية خياله وعلاقاته مع الأشكال المرسومة والمجسدة.. فهى تساعده على اكتشاف علاقته مع العالم من حوله وتنمى قدرته على تقمص الأدوار واتباع القواعد والتعبير عن العواطف، كما تساعده على تنمية خياله والخروج به خارج الواقع المحسوس مما ينمى مهارته فى التفكير خارج الصندوق.. كما تضع ألعاب الطفل فى احتكاك مباشر مع جماليات الفن والتصميم وكذلك مع التكنولوجيا.. يإيجاز فإن ألعاب الأطفال من العوامل التى تمهد الطفل لكى يصبح عنصرا فاعلا فى المستقبل.

يرتبط المرء عاطفيا بلعب الأطفال التى خبرها فى طفولته وتمثل هذه النوستاجيا الرغبة فى أمان وصفاء فترة الطفولة، ولهذا فقد لعب العديد من الفنانين التشكيليين على هذا الوتر فى بحثهم عن مصادر وعناصر لفنهم.. وهى تظهر عندهم بأشكال متعددة من الاستعارة المباشرة إلى الإيحاء المتداخل فى نسيج لغتهم البصرية.. والنماذج كثيرة ومتعددة من عرائس بول كلى والحصان الخشبى لبابلو بيكاسو إلى معلقات أليكساندر كالدر وتماثيل روبرت برادفورد.

من أكثر الفنانين المعاصرين الذين عزفوا هذا اللحن بمهارة هو الأمريكى جيف كوونز المولود عام 1955.. وجيف كوونز من الفنانين المثيرين للجدل والذى انقسم نقاد الفن فى تصنيف أعماله من هؤلاء الذين يروها رائدة فى المعاصرة ومعبرة عن روح المجتمع الاستهلاكى إلى الذين يرونها مبتذلة وسوقية.. وكوونز من الفنانين الذين وعوا القدرة الجبارة التى يملكها عنصر التسويق فى صناعة الفنان الأيقونة.. كما أنه وعى أيضا كيفية صناعة المنتج الفنى الذى يكمل هذا التوجه ويغازل بصر المشاهدين.. فهو لا يصنع أعماله بنفسه وإنما يأتى بفكرة العمل ويترك لمجموعة من الحرفيين المهرة مهمة تنفيذه بالمواصفات التى يحددها ويشرف فقط على التنفيذ.. ولكى يستثمر الشهرة التى حصلت عليها أعماله فقد أنشأ مشغلا كبيرا يضم مجموعة من الفنانين والحرفيين المهرة لتصنيعها.

من أهم أعمال كوونز ذلك المجسم الضخم الذى يمثل شكل كلب مصنوع من البالونات على غرار هذه الألعاب التى يصنعها بائعى البالونات بمهارة من بالوناتهم لتسويق بضاعتهم.. وهذا المجسم الضخم الذى يتجاوز ارتفاعه الثلاثة أمتار مصنوع من شرائح الصلب الغير قابل للصدأ ومصقول كالمرآة.. وأنتج كوونز من هذا النموذج عدة نسخ كل نسخة ملونة بلون مميز.

قال كوونز إنه صنع هذا العمل ليمثل شعور الفرحة والبهجة وهو من ضمن سلسلة أعمال «الاحتفالية» والتى نفذها عام 1993.. وقد أصبح هذا العمل من أيقونات الفن المعاصر وأغلى عمل يباع لفنان على قيد الحياة.

فى حوار عن فلسفته فى الفن قال «إننى أعتقد أن الفن يأخذك خارج حدود ذاتك.. الرحلة التى قطعتها كانت للخلاص من القلق.. هذا هو المفتاح للوصول إلى أداء متحرر.. إن الحوار يبدأ بالفنان ثم يمتد إلى الخارج ليشارك فيه آخرون.. وعندما تزيل القلق يصبح التكامل أعظم ويصبح الكل متاحا.. وبقدر قليل من الثقة سيدخل آخرون معك».

*الشروق

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق