مقالات وكُتاب

د. ملحة عبدالله تكتب: الهوية.. وفلسفة فنون العمارة

يجب على المصممين المعماريين المعاصرين الحرص على خطوط وسمات النمط المعماري الخاص بهذه الأرض، مع كل ما يستلهم من الفنون المعاصرة؛ لكي تحتفظ هذه الأرض بهويتها وخصوصيتها المتفردة والمحفوظة في المخطوطات الأثرية، ولا تنتشر تلك المدارس مثل التفكيكية والسيريالية في النمط المعماري..

بطبيعة الحال نجد أن الباحثين وعلماء الأنثربولوجي، يؤكدون على معالم الخصائص الاجتماعية في فنون العمارة في كل المجتمعات عبر العصور، وأن هذه الملاحظة تشكل ملامح الشخصية أيضا، كي نتخذها فاحصا جينولوجيا بعد تعاقب العصور للرجوع إليها للتحليل والتفسير، وهذا أمر بديهي يعلمه العامة والخاصة عن مدى أهمية الملامح المعمارية كحضارة مادية في تاريخ الحضارة.

وقد أقامت المملكة تأسيس هيئة فنون العمارة والتصميم، برئاسة صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، وزير الثقافة، ضمن هيئاتها الجديدة، وذاك إدراكا لما تشكله فنون العمارة من أهمية قصوى في تشكيل الوعي العام، وأثر ذلك على تحليل الشخصية ذاتها عبر القرون السابقة والمتلاحقة، وهو حمل كبير تقوم به وزارة الثقافة ومعالي الوزير وأعضاء المجلس الموقر.

ففنون العمارة هي المفتاح المهم في التأريخ لكل الحضارات والتي تلجأ إليها القرون اللاحقة في كل ما يتعلق بهذه الحضارة أو تلك وتاريخها.

ولفنون المعمار خصائصه في الجزيرة العربية منذ العصور القديمة مثال العصر النيوليتي 4500 قبل الميلاد، وغيره مما اكتظت به المتاحف وخاصة المتحف الوطني بالمملكة العربية السعودية، ولم تتغير الطرز المعمارية عبر تتابع العصور سوى في عصر الطفرة والتحديث التي صاحبت تدفق النفط، إلا أنها لا تزال تحافظ على خصائص دقيقة تحمل في طياتها بذور الهوية ذاتها.

فكانت أبنية ومنازل الجزيرة العربية بشكل عام – والمملكة بشكل خاص – في الماضي القريب “غير مستحدثة أو منقولة من حضارات مجاورة، بل كانت ذا تصميم وبناء معماري ينبع من الشخصية ذاتها والمتحورة حسب بيئتها ومناخها وعاداتها وتقاليدها ثم انتشرت إلى باقي البلاد لما لهذه المنطقة من عمق تاريخي يؤهل أصحابه إلى الاختراع، فيقول العلامة محمد أمين السويدي في مخطوطه سبائك الذهب: “إن أول من بنى مدناً ذات هندسة معمارية وطراز محكم هو النبي شيث، فقد بنى شيث مئة وثمان وعشرين مدينة على أسس هندسية”، ثم يقول الباحث الإنجليزي رالف لنتون في دراسته شجرة الحضارة “في أماكن كثيرة منها لا يزال الفلاحون يعيشون كما كان يعيش أسلافهم في العصر النيوليتي 5400 عام قبل الميلاد، ويستطيع عمال الحفائر الأثرية أن يوضحوا الغرض الذي اُستخدمت فيه الأدوات المختلفة التي عثروا عليها في حفائر هذه المنطقة خيراً مما يستطيعه معظم علماء الآثار”، ويقول توماس إدوارد والملقب بـ لورانس العرب في كتابه الأعمدة السبعة “كانت الهندسة المعمارية للبيوت تشبه هندسة العصر الاليزابيثي في إنجلترا، فنصفها من الخشب والنصف الآخر من الجص، بطراز متقن إلا أنها مزينة ومزخرفة إلى درجة لا تصدق”.

ولهذه السمات والمعالم الأثرية والتراثية يجب أن نحافظ عليها في التخطيط والتصميم العمراني الحديث لكي يتصل الجسر بأصله لما لهذه المنطقة من إرث حضاري، وفي ضوء هندسة معمارية معاصرة ومستلهمة من الفنون الحديثة للعمارة العالمية في تمازج مع إلهام وإبداع المصممين المعماريين الموهوبين في هذه الأرض الكريمة.

يقول أحد الباحثين من المتخصصين في التخطيط وفنون العمارة عن الأبنية والمنازل في المملكة: إن إرثنا من كرم حاتم الطائي واضح الأثر في وجود المجالس الفسيحة، كما أن وجود الأسوار حول المنازل يعمل على تأصل العزلة الاجتماعية، وهو رأي يحترم لما تقصاه الباحث في أثر تصميم المباني على الشخصية وهي فلسفة مهمة لا بد أن نراقبها بالرغم من انتشار الأسوار حول المنازل تشكل ظاهرة في الطرز المعاصرة وخاصة في المدن وأشهرها مدينة الرياض؛ وذلك له انعكاس كبير على الفكر السائد في المملكة وخاصة في الفترة الحديثة منه. كما أن لنا ملاحظة أخرى تنبئ عن مكنون الشخصية وهي أن المملكة دون غيرها تجعل حوض غسل اليدين خارج الحمامات، لكي يسمح للمتوضئ بذكر الله حين الوضوء خارج الحمام، وهو ما يؤصل لتدين الشخصية واتباعها تعاليم الدين الحنيف.

ولذا كان يجب على المصممين المعماريين المعاصرين الحرص على خطوط وسمات النمط المعماري الخاص بهذه الأرض، مع كل ما يستلهم من الفنون المعاصرة لكي تحتفظ هذه الأرض بهويتها وخصوصيتها المتفردة والمحفوظة في المخطوطات الأثرية، ولا تنتشر تلك المدارس مثل التفكيكية والسيريالية في النمط المعماري بلا ربط بالخصائص الخاصة للمعمار الحضاري الضارب في عمق التاريخ لهذه البلاد.

د. ملحة عبدالله

*الرياض

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق