حوارات وتحقيقات

دراسة: انطباعيّة الموروث الشعبي من خلال التشكيل والترميز لصورة الحيوان في أعمال التونسيّان عبد العزيز القرجي وعادل مقديش

دراسة للباحث التونسي / زياد القريوي 

كان الموروث الشعبي ولا يزال محور إشكال وبحث في العديد من الميادين العلمية والثقافية والفنيّة من ذلك صورة الحيوان. ويشهد تاريخ البشرية حضور الحيوان في أشكال متنوعة ومختلفة من حيث الرؤى والأهداف، حيث يظلّ هذا الكائن الطبيعي الحيّ والمتحرك محل استهداف تواصلي مع الإنسان بل كان يلازمه في أحداث كثيرة وكبيرة، وفي مرامي وجودية فيزيائية لغاية استهلاكية مباشرة او استعارة فنية من حيث الشكل والحضور والوظيفة.

وفي مجال الفنون كانت صورة الحيوان حاضرة منذ الإنسان الأوّل ولعلّ كهوف لاسكو بفرنسا وكهوف أسبانيا شاهدة، الى يوم الناس هذا، على انّ البشرية قامت برسم الحيوان لخوف منه او غاية للتمكّن منه في إطار قانون الطبيعة، والملفت للانتباه والملاحظة لتلك القوة التعبيرية لهذه الرّسومات.

كما شهد تاريخ الفنون التشكيلية حضور الحيوان في أكثر من موضع، فشكله يتميز بعدة صفات تسمح للفنان بتطويعه وتوظيفه في التركيبات التشكيلية، كما هو الحال في فنون الرسم من ذلك الليونة والصلابة وما تتصف به هيأته الخارجية من ألوان تأخذ في بعض الاحيان أشكال تصميمية فريدة من نوعها كالحمار الوحشي والأسد والنمر والحصان والى غير ذالك، وكأنّ اهتمام الفنان ايضا بالحيوان ككتلة متحركة تتميز برشاقتها وأناقتها ومظهرها. حيث كان لحضور الحيوان في الرّسم بين التشخيصي والتجريدي في لوحات الرّسامين من سرياليين وتجريديين وغيرهم. وهذا الاختلاف في الرؤى والأساليب لوحظ في أعمال فنانين كثيرين في الشرق والغرب وتنوعت التقنيات ومناهج التعيير الشيء الذي انسحب على الآثار الفنية التشكيلية في تونس، وقد حمل الرسم التونسي صورة الحيوان في تجارب عدة فنانين تشكيلين على غرار الفنان عبد العزيز القرجي والرسام عادل مقديش.

فماهيّ خصوصيات صورة الحيوان بين التشكيل والترميز في الرسم التونسي وتحديدا في تجربة كل من عبد العزيز القرجي وعادل مقديش؟ ولذلك، هل اقتصرت هذين التجربتين على حدود التراث العربي التونسي؟ وايّ تموقع لها امام تطوّر الفنون الغربيّة من حيث التعبيرات والاساليب التشكيليّة؟ وبالتوازي مع ذلك، فيما تتجلّى الابعاد الترميزيّة فياعمال عادل مقديش وعبد العزيز القرجي في تطوير المكاسب الفنيّة في مثل هذا الموضوع نحو الحداثة والمعاصرة؟

  • المرجعيات التاريخيّة لحضور الحيوان في الفنون المرئية التونسية:

وفي بدايات هذا المقال ارى من المهم ان أعود الى تجليات صورة الحيوان في مجالات الفنون عامة لأنّ الفنون المرئية التونسية ارتبطت بجذور تاريخية مصدرها الشرق والغرب ومؤلّفها الجغرافيّة المتوسّطيّة، لتكون في صراع مع التاريخ قصد التشبث بالهوية العربية والهوية الإقليمية مع التّفتح على العالم الخارجي سواء ان كان العالم الغربي الاوروبي او العربي.وان كان الحيوان مرتبط بالموروث الثقافي والجماعي التونسي فإنّه في الفنون التشكيلية مرتبط بمفاهيم جمالية تطرح اكثر من سؤال حول الابعاد الترميزية لشكل الحيوان في الرّسم الحديث والمعاصر.

يستند حضور الحيوان رسما ورمزا في الرسم التونسي  الى تأثرات ثقافية وحضارية من مختلف مجالات انتماء الشخصية التونسية وخاصة منها المجال المتوسطي عامة و العربي الإسلامي تحديدا. كذلك يستعرض هذا العنصر مختلف ملامح هذه التأثرات بقطع النظرعن الترتيب الزمني وباعتماد المقاربة المحورية.

الجذور التاريخية:

  • الفن البدائي:

   انّ ما رسّخه الإنسان الأول على جدران الكهوف وخاصة منها الموجودة بفرنسا تبعث الدهشة من خلال احتوائها لرسومات وزخارف ومنحوتات للعديد من الحيوانات، اذ نجد كهف “مادلين” وكهف “لاسكو” في فرنسا يحتويان على رسومات عديدة للحيوانات، وأوضحت بعض الدراسات العلمية ان الإنسان قد برع في رسم الحيوانات التي يريد صيدها كالوعول والجواميس والخيول المتوحشة بطريقة دقيقة للغاية. وأنّ تفسير هذه الرسوم الحيوانية التي لها أبعاد عميقة، الى أنّ الانسان البدائي يعتقد فيها امتلاك والسيطرة على الطبيعة واثبات وجوده.

تتّسم فنون ما قبل التاريخ بالقوة فى التعبير، وتعكس الرسوم الحيوانية انماط الحياة المتنوعة للشعوب التي تتالت على العصور البدائية.

كما نجد في جبال أكاكوس الموجودة على طول الطرف الجنوبي للبلاد الليبية العديد من الرسومات والمنحوتات التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ. وتشمل هذه الجبال رسومات لحيوانات اخرى مغايرة للكهوف الموجودة بفرنسا، كحيوان الفيل والنعامة والزرافة. وتعكس هذه الرّسوم تنوع الحياة الثقافية والطبيعيّة في تلك الفترة، كما تبيّنه رسوم كهوف جبال أكاكوس.

  • الفنون العربية الإسلامية:

احتوت الفنون العربية الإسلامية على اشكال مختلفة فى توظيف صورة الحيوان، كالخط العربي والمخطوطات وغيرها من الفنون العربية الإسلامية. اذ اهتم العرب المسلمون برسم المخطوطات المتعلقة بالحيوان التي تنصّ على سلوكه وعاداته، كما تحتوي المخطوطات عن مجموعة من القصص والنصوص التي يطغي عليها البعد الرمزي والتي وضعت على ألسنة الحيوانات. وتتمحور حول ما يقوم به الملوك والحكام في سياسة دولهم. والتجأ الخطاط في المخطوطة على الأساليب الساسانية في تصويره للحيوانات اهمها الأسد، الغزال، الأرنب، والخيل والفيل وبعض الطيور كالبط والطاووس الى جانب بعض الحيوانات الاسطـوريّة كالتنيـن وطائر العنقـاء التي تعود بنا الى الفنون الصينية.   

في الخط العربي ظهرت لوحات رائعة في أشكال حيوانات يظهر فيها البعد الإبداعي مع التقيّد برونق الاصالة

اما في الخط العربي ظهرت لوحات رائعة في أشكال حيوانات يظهر فيها البعد الإبداعي مع التقيّد برونق الاصالة والمحافظة على رمزية الخط العربي. وتعددت الألوان و أساليب توظيف الخط في هذا التوجه وذلك بإستخدام أكثر من نوع خط عربي كالثلث و الكوفي. ومن اكثر الحيونات انتشارا في هذا المجال الخيل  وبعض من الطيور.

  • الزخرف الحيواني والموروث الشعبي في أعمال عبد العزيز القرجي وعادل مقديش:

  • قراءة في أعمال الفنان عادل مقديش

انّ البحث في هذا الاطار يحيلنا الى طرح مفهوم الزخرفة وارتباطها بالزخرف الحيواني، وعلاقتها بالفنون التشكيليةمن خلال قواعد تركيبة  محدّدة ؟سأبحث في ذلك من خلال تجارب الفنان عادل مقديش في مرحلة اولي والفنان عبد العزيز القرجي في مرحلة ثانية.

يعد الفنان التشكيلى والخطاط عادل مقديش المولود بصفاقس سنة 1949، من أبرز الفنانين التونسيّين على الساحة التونسية والعربية، الذي تلقي دراسته في مدرسة الفنون الجميلة بتونس. وفي سنة 1977 ذهب الى فرنسا وأقام بمدينة الفنون بباريس ثم بعد عودته الى تونس درّس بمدرسة الفنون الجميلة بتونس و بالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس.وأقام الفنان عادل مقديش العديد من المعارض الفردية الى جانب مشاركته في المعارض الجماعية في تونس وخارجها. وقد اتخذ التوجه التجريدي في أعماله وصولا الى الرسم السريالي، فهو يرسم على محامل مختلفة من الخشب والقماش. وقد تميّزت اعماله بأشكال من الحيوانات أكثرها حضورا هي صورة الخيل، مستمدّا في ذلك على مرجعيات تاريخية وأخري من المخزون التراثي ومن الذاكرة الجماعية وفق حكايات تاريخية شكّلها لتعطى مدلولا بصريا تشكيليا ذا بعد رمزي. كما اعتمد عادل مقديش على مرجعية من التراث الشفوي والمكتوب خاصّة ملحمة بني هلال ومظاهر تلك الفترة من صراعات ومعتقدات التي سأعتمدها في هذا المبحث.

عادل مقديش أعطى نسيجا من الزخرفة في لوحاته على مستوي الشكلي وذلك باعتماد الكتابة

ما يتبين في أعمال عادل مقديش انه أعطى نسيجا من الزخرفة في لوحاته على مستوي الشكلي وذلك باعتماد الكتابة، اذ يرسمها في شكل حروف متناظرة و متجانسة من جهة ومتكررة ومتعددة من جهة أخرى، فنراه يدمج الكتابة العربية مع الكتابة الأعجمية التي تذكرنا بزخرفة العربية الإسلامية ،إلى جانب توظيفه في بعض الأحيان للأرقام كدلالة على تاريخ الإنجاز.

ففي اغلب لوحات مقديش نلاحظ حضور قار لكل من الشكل الآدمي والحيوان المتمثل في الخيل، اذ كلّما حوّل وغير من موقع هذين الشكلين نجده يغير في شكل البنية وتكوين اللوحة. وهذا ما أضفى إلي حضور مجال حركي وحيوي شكّل بعض من العناصر الإيحائية والدلالية. كما انّ هذا الحضور التشخيصي للزخرفة المخطوطة في شكل الحيوان  ليست لحضور لغوي وللقراءة بل حضورها يكتسي جانب مظهري وبصري  تتحول فيه العلامة الخطية إلى زخرفة خطية غير محددة وغير قابلة للتفكيك أخرجها من جوانبها التقليدية ليدخلها في أنماط جديدة من ناحية التشكيل ومقومات الإبداع حتى تغدو لأهمية وقيم جمالية.

و في سياق أخر حافظ  عادل مقديش على القيم الضوئيّة الخالصة ونقاء فضاء اللوحة من خلال  حضور اللون الأبيض على الحامل إلى جانب تلوين المساحة الخارجية له بالقيم الضوئية واللونية، إذ تلاعب بتوزيع القيم الضوئية داخل فضاء اللوحة،بالإضافة إلى التباين والتضاد اللوني بين القيم الضوئية (الأسود والأبيض)، حيث نلاحظ وضوح الشكل في المشهد بكل أبعاده من خلال وضوح درجات اللونين الأبيض والأسود الى جانب الرماديات التي تحمل إشارات الضوء وقوته بتدرجاتها،والتي أعطت رؤية واضحة للمشهد وللشكل معا.فالفنان عادل مقديش في هذه الأعمال السابقة، يقوم بتوظيف  ألوان الظلمة في فضاء لوحاته ويحرص على إدماج التضاد بين المعتم والمضاء في اغلب مساحات اللوحة.

وفي رؤية أخري مثّل الفراغ احد أهم الخصائص التشكيلية في أعمال عادل مقديش،حيث نجده يتفنن في توظيفه وإدراجه ضمن تحديد منظم ودراسة دقيقة لبنية اللوحة عندما نلاحظ  وجود أشكال زخرفيه خطّية محيطة به. وهنا أعطي مقديش للفراغ صبغة مغايرة على مفهومه الكلاسيكي من فراغ مفتوح على فضاء اللوحة الي فضاء مفعم  بإدراكات وإيحاءات حسيّة .

اعتمد الفنان عادل مقديش في كساءه للخيل على استخدام الزخارف الخطية للعمارة العربية الإسلامية

قد اعتمد الفنان عادل مقديش في كساءه للخيل على استخدام الزخارف الخطية للعمارة العربية الإسلامية ذي الامتدادات المتنوعة المجسمة برسوم مسطحة والتي كان الفنان المسلم يميل الي تغطية المساحات بالزخارف وهذا ما يلفت النظر في التحف الفنية والعمائر الإسلامية التي نجدها في بلاطات الملوك والجوامع، حيث نجدها مزدحمة بالزخارف المتصلة بعضها البعض منحت جوانب متعددة من قيم التشكيل والتصميم وأساسيات التكوين ألا وهي الدينامكية والحركة والتكرار..

تتراوح أعمال مقديش في هندسة فضاء اللوحة بالاتجاه الى الفضاء المعماري العربي الإسلامي من ناحية والتعبير الحر من ناحية أخرى. إذ أتت تراكيب لوحاته في خصائص تشكيلية لافتة للنظير، كاعتماده للتضاد اللوني في أغلب أعماله وجعله من ميزاته الأسلوبية، الشيء الذي أضفي على لوحاته الكثير من الحيوية والحركية البصرية التي تخضع أحيانا إلى مستويات كبيرة من العتمة و الظلام في فضاءات حالمة و أسطورية.

يقول الفنان عادل مقديش في هذا السياق في إحدى معارضه بمركز الثقافي الفرنسي بالرباط  “انطلقت في رسوماتي من مثيولوجيات ومن أساطير شعبية و من خرافات الطفولة و من ألاوعي  الجماعي ومن فزع التمزّق الذاتي بين الحلم والواقع وبين التقسيم الزمني في محاولة لتوحيدها في واقع و احد”.

أمّا بنسبة للتكوين وبنية تنظيم فضاء اللوحة أتت في إطار شكل معماري أساسه الهيكلة المعمارية للفنون العربية الإسلامية المتمثلة في الزخارف والأشكال المسطحة.

وفي قراءة تحليلية تأويلية أخرى نلاحظ أغلبية أعمال عادل  مقديش تقدم لنا ترابط حميمي عاطفي مشحون بين الحصان والأنثى الآدمية المتمثلة في الجازية الهلالية، فتوزعت المشاهد العاطفيّة في أبهي مظاهرها إضافة إلى حضور الحميمة القصوى والغرائزيّة بين الجسد الآدمي والحيوان، و كأنّ بالجازية ترى في شخصية الحصان الفارس الغائب الحاضر بمعني الرّجولة والأنفة والتعالي العربي الأصيل.كما تتأتيأعماله مرتكزة على علاقة حميمية بين الحصان بمعني الجواد والفارسة المتمثلة في الجازية. 

في الجازية ترى في شخصية الحصان الفارس الغائب الحاضر بمعني الرّجولة والأنفة والتعالي العربي الأصيل.

 وفي ظل هذا السياق توضح مشاهد اعمال مقديش جليا العلاقة بين قيمة الحيوان المتمثل في الحصان والجسد الآدمي المتمثل في الجازية.

ما يستنتج في ما يقدمه مقديش أنّ أسلوبه مغاير عن فناني مدرسة تونس باعتماده مواد بسيطة كالحبر الصيني والأكريليك لغاية عميقة في محاولة منه لإبراز قيمه الحيوان في الواقع الإنساني المعيش.

تتراوح أعمال مقديش في هندسة فضاء اللوحة بالاتجاه الى الفضاء المعماري العربي الإسلامي من ناحية والتعبير الحر من ناحية أخرى

في قراءة أخرى نجد عمل ” هلاليات ” ذكرنا فيها عادل مقديش بتكوينات الرسام بيت موندريان التي تقيم لنا تكوينا معاصرا أساسه العلاقة بين الشكل والخلفية التي قدمها لنا مقديش بمنحي هندسي أساسه المضلّعات، كما نلاحظه في العمل الموالى:

تتراوح أعمال مقديش في هندسة فضاء اللوحة بالاتجاه الى الفضاء المعماري العربي الإسلامي

في قراءة أخري لهذا العمل نلاحظ انّ الفنان مقديش مرّرعلى هذه الخلفية الهندسية مشهدا حربيا ينقسم إلى جزئين:

في الخلفية تبرز قمة الحرب وأبطالها الأحصنة متراكضة يمنة وشمالا، جاعلا من جمود التكوين الهندسي المتسم بالثبات و الارتكاز يأتي في تحركات وحيويّة  للأشكال حيوانية في شكل زخارف متنامية مع الأرضية الموظفة. والأرضية تعمق مبدأ الثبات في حدّ ذاته، زادها في ذالك الخطوط السميكة الموظفة في أعمال مندريان وانّ قولي هذا يرتكز على مقاربة بين عملي مندريان ومقديش اللذان يرتكزان على مبدأ الرؤية الطبيعويّة في العمل التشكيلي، فإن كان مندريان انطلق من الشجرة فمقديش ارتكز علي شكل الحيوان المتمثل في الحصان.

انّما يستنتج من خلال هذان العملين السابقين مفارقة بين التجريد الخالص على مستوي البناء الهندسي للتركيبة و الذي يميزها بالخطوط العمودية والأفقية من ناحية و من ناحية أخري بين الأشكال الواقعية المتمثلة في رسم حكائي بعود بنا الى الرواية الخرافية العربية.  وإضافة لقولنا انّ مقديش يراوح بين الأصالة والمعاصرة في الفن، بمعنى انّ التكوين التشكيلي الذي يرتكز على مبدأ المعاصرة. فايّ رؤية للزخرفة وارتباطها بالفنون التشكيلية في أعمال عبد العزيز القرجي؟.

ما يمكن ان نستخلصه في ما سبق من تحاليل، ان الأعمال  الفنية للقرجي تهدف بالأساس إلى فرض أساليب فنية تتمثل في التعبير الساذج والفلكلوري، فصور لوحاته تتشكّل أغلبها بكائنات حيوانية تخترق البعد الواقعي للإقامة في تداعيات التجريد، صور مبسّطة إلى حدّ تلامس فيها الأعمال طابع العصور الغابرة وكذلك التنويع في تأويل الشكل الحيواني إلى صبغة فنية  مجرّدة.

كما نجده من جهة أخرى يبسّط رسومه حتّى تغدو خطوطا قليلة العدد ووفيرة التعبير، فهو يقوم  بإحكام الخطّ ، إذ يخرج الشكل من اعتيادية ظهوره إلى تعبير يسيطر عليه الطابع التجريدي، فالحيوانات التي يرسمها القرجي متحركة تتملص من الجاذبية لترقص في الفضاء، إذ يضفي عليها مسحة من الخيال.كما يحرص على المبالغة  في التضاد اللونى كسمة أساسيه من سمات فن الزخرفة الإسلامية إلى جانب دقه الزخارف وتشعبها في بناء تناظري تكراري.

كما تعددت واختلفت أعمال القرجي من الواقعية إلى الانطباعية والواقعية المعمارية الهندسية، وفي توظيف الأشكال التراثية والكليغرافية أيضا،وصولا إلى التجريد الذي برزفي التوجهات الحداثية والمعاصرة للفنون، حيث حوّل أعماله الإبداعية إلى صور تستمدّ أسسها من الخيال ومن جميع أنواع المنمنمات التي تحتوي البعد الغرائبي.

وفي رؤى أخرى، أفسح الفنان المجال لبروز ملامح ابتكار متنوعة ومُبشرة بولادة خصوصية فنية تشكيلية، تُمكن للمتلقي من معايشة بصرية وفهم مضامينه بسهولة كفنّ مُعبر عن أصالة  التراث  التونسي  في أثواب بصرية وتقنية مفعمة بالمعاني وبالمحتوي الموضوعي.

والمتأمل في تجربة القرجي يلحظ جليا الجانب الانطباعي الموظف الذي يحيلنا على تيارات لا فقط  انطباعية بأكثر منها سريالية، فمن ناحية نجد فنان يقتني استلهامه من الطبيعة كماهية وتارة أخرى يتصرف باليات حسية راقية.

ان الفنان عبد العزيز القرجي لا يدّعي في أعماله فلسفة فكرية بل أن أعماله تقرّ بـ “فلسفة” تجعلك تتعايش مع ما تشاهده في انسجام وتماهي ليترك فى المتلقي انطباع واقعي بانتشاء في مدى تقبل رؤى لتراث متجدد في الفنون التشكيلية.

أعمال القرجي أفرزت إن هذا الفنان تراثي الإحساس يستقي من الجذور التونسية بشمالها وجنوبها ومن مختلف أنماطها الفنية سوى كانت خزفية او نسيجية او بلورية، ليقدم لنا فسيفساء من روئ تشكيلية تنسج مجالا متناغم بين التراث والفنون لنجد التراث بين ايدينا من خلال الرسوم الزيتية والجداريات.

انّ القيمة الفنية لأعمال هذا الفنان تكمن في معالجة العناصر التراثية العادية وقلبها الى عمل فنى، من هنا اصبح الفرق معدوما بين ما هو موروث وما اتخذه القرجي في أعماله التشكيلية،وبالتالي فهو يدعو إلى التركيز على الحفاظ على التراث وضرورة الجمع بينه وبين  صانع العمل الفني ومتلقيه.

تتأتي أعمال القرجي المعبرة عن الحصان محافظة على طبيعته على مستوي اللون والحركة

  • مقاربة في المنحى الزخرفي لصورة الحصان في اعمال مقديش والقرجي:

انّ المبحث سرى بي الى استنتاج حضور ملفت للحصان كموضع إئتلاف وإختلاف في الخصائص التشكيلية والأسلوبية  لعبد العزيز القرجي وعادل مقديش.

يأتي الحصان في أعمال مقدش والقرجي بأنفة كبيرة على مستوي مرفولوجيّة الشكل بالارتباط مع خصوصية الحصان العربي الأصيل الذي يبرز في كلتا الأعمال بأناقة وجمالية للشكل في حركاته المتشابهة بالحركة اللينة.

تتأتي أعمال القرجي المعبرة عن الحصان محافظة على طبيعته على مستوي اللون والحركة في جزء معين، والذي استمد مقاوماته بالنسبة للجدلية المرتكزة على غنائية الشكل بصفة عامة مستعينا بثنائية الملئ والفراغ يحدده بخطوط سوداء مما يفرز التضاد الضوئي بين الشكل و الشكل الأخر من ناحية وبين الشكل والخلفية من ناحية أخري.انّ حصان القرجي أتي محافظا على الخصوصية العربية الأصيلة تأكده حركاته الّراقصة المستمدة أسسها من الطرح التعبيري للفروسية.

انّه من الملاحظ  ايضا في أعمال القرجي النقلة النوعية على مستوي استحضار حيوان الحصان في مرحلة أولى كشكل و لون وكقيمة تشكيلية واستتيطيقية مرتكزة على مبدأ التاويل، ليتجلي حصان القرجي في شكل متماهن مع الطرح التشكيلي الذي يأكده البعد التجاوزي من حيث القراءة التشكيلية في إطار مسحة تزويقية فريدة من نوعها.

هذه الإبعاد التزويقية نجدها بما يلاحظ في أعمال عادل مقديش الذي مزج بين التزويق والزخرفة مستمدا آليات التعبير من خلال الموروث التقليدي للبلاد التونسية. فأعمال مقديش مفعمة بالزخرفة التي تذكرنا بالرموز الفنية والحرفية من المنهل الزخرفي للصناعات التفليدية بالجنوب التونسي كالحصير والمرقوم كما سبق وأشرت في مناسبات سابقة.

انّ حصان مقديش  يتأتي في ملامح عروبية بحتي تتشابه في حركاته مع حصن القرجي، لكن مقديش يصرّ على كساء احصنته بموروث ثقافي ثراثي تونسي أساسه البيئة الريفية و العروبيّة التي تعود بنا على سيرة بني هلال. الفنان هنا يحاول ان يقدم لنا صورة لشكل الحصان مفعمة بالجمالية المرتكزة على مبدأ إحياء التراث. وفي هذا الطرح بالذات لايبتعد عن مبادئ الفن الحديث للحركة التشكيلية التونسية، اذ انّ أعمال عادل مقديش وعبد العزبز القرجي تلتقيان في انّهما مرتبطان بالأصالة والهوية التونسية ممّا يجعلهما أولى المدافعين عن المرجعية التوراثيّة للبلاد التونسية.وكأن الفنانين الأنفي ذكرهما يعبران بفخر كبير عن الجذور التراثية كلا منهما حسب الأسلوب الذي ينهلاني منه. وبالتالي فإنّ أعمال عادل مقديش وعبد العزيز القرجي وإن إختلفت أشكال حيوانهما فإنهما يلتقيان في وحدة الشكل ككل، بمعني انّ الحصان كشكل رئيسي في اللوحة يبرز في شموخ وتعلي تأكده حدود الشكل وألوانه بالنسبة للقرجي من ناحية ومن ناحية اخرى يبرزه الزخرف الحيواني لأعمال عادل مقديش.

وفي منطبق أخر تحيلنا تجارب مقديش والقرجي الى تنوع بين عناصر تركيبات اللوحات اللتي أضفت لغة تشكيلية متناغمة وكأن بها توليفة خطية، وفي قراءة أخرى يحيلنا هذا التنوع بالإحساس بموسيقي الأشكال التي تحدث عنها بول كلي وكاندينسكي فى الفن المعاصر، بحيث نلاحظ التغير في الهيكلة باعتماد تباينات الأضداد التكبير والتصغير، الشفافية العتامة، تضاد لوني تباين لوني.

 كما نلاحظ أيضا ان أغلب أعمال التجارب التي سبق ذكرها  انها شهدت تركيبات تشكيلية إيقاعية مفعمة بالحركية والحيوية مما يضفي عليها تناغما بين الشكل و المضمون.

اخيرا وليس آخرا، يمكن القول بان صورة الحيوان في الرسم التونسي، وتحديدا، في تجربة كل من الفنانين عادل مقديش وعبد العزيز القرجي اتت مفعمة بالابعاد التشكيلية والترميزية، فاتخذ شكل الحيوان دلالات مختلفة مرتبطة بإرث الحضاري والفني والثقافي بصفة عامة، فالفنون التشكيلية في تونس كغيرها من فنون البلدان الأخري يتأصّل فيها الحيوان في الفنون التطبيقية او الفنون التشكيلية.

ونتبين من كلّ ذلك انّ الفن التشكيلي التونسي بصفة عامة ومن خلال اعمال مقديش والقرجي بصفة خاصة ندرج ضمن الثقافة العربية الإسلامية.

انطلاقا مما سبق من تحاليل في هتين التجربتين ارى انّ الحيوان في الفنون التشكيلية لم ياخذ أبعاد مفاهميّة بمعني انّ نجد التصرّف في شكله بالعودة الى مرجعية الثقافة الإسلامية كما هو الحال عند الفنان عادل مقديش مثلا.

اخير، ارى من الأفضل ان يكون الحديث عن”حضور الحيوان في الفنون التشكيلية” بمعني انّ “صورة الحيوان” لا تفي بالغرض، فالصورة شكل لا تحيلنا الى جوهر الموضوع بكيفية معمّقة والحال انّنا نجد الحيوان متمركزا في الرّسم التونسي وغيره ، والفنان يعمل على استنطاق هذا الحيوان والتعامل مع خصوصياته ومميزاته كالحصان والطيور.. .

اذن فإن الاقتصار على “الصورة” لا يكفي ان يكون الحيوان  فيها محلّ بحث بينما البحث في الحيوان كمحور في الفنون التشكيلية يتطلب البحث والتمحيص فيه واستخراج مفاهيمه. وفي كل ذالك يكون التساؤل عن البعد الترميزي الذي يعطي للحيوان مكانته اللازمة، وهنا نربط الترميز بالجماليات، فمنطلق بحثي هو صورة الحيوان بين التشكيل والترميز وأنا ابحث في هذه النقطة الوسيطة “و”، فلا ادعي بالتقسيم ولكن ادعو الى دمج المعنيين.

 

 

 

 

المصادر والمراجع

قائمة المصادر والمراجع العربية:

ü     أمهز،محمود،التيارات الفنية المعاصرة،شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،1996

  • ابن خلدونعبد الرحمان، المقدمة، دار الجيل، بيروت1996
  • الجاحظ، الحيوان، الناشر مصطفي البابي الحلبي، سنة النشر 1965
  • بن المقفع عبد الله، كليلة و دمنة، المكتبة العصرية للطباعة و النشر، 2002
  • هيقل، ترجمة: جورج طرابيش،المدخل إلى علم الجمال – فكرةالجمال، دار الطليعة للطباعة و النشر،1988
  • وولف فرانسيس،أروسطو والسياسة،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر و التوزيع،1994

المراجع الفرنسبة :

 

  • Ali louati, l’aventure De l’art Moderne En Tunisie , Simpact ,2004
  • Christian Hongrois,les maitres potiers de Nabeul, Historique de la poterie artistique de nabeul au 20eme siécle , éditions dela Reinette, mars 2011
  • Shawkat Alrubaie, Introduction to the Contemporary Art in Arab Land, Partie 1,AuthorHouse, 2014

المقلات :

  • لطفي عيسى،علي اللواتي مؤرخ الفنون في ضيافة الجمعية التونسية للدراساتالتاريخية، بتاريخ19أفريل2012
  • حسّان بنرحومة، أعمال الفنان عــادل مقديش جدل بينالمرجعية التاريخية و الذاكرة البصرية
  • رياض بالحاج أحمد، الهلاليات بين العقوية و البساطة و الغرابة و التعقيد من خلال التناول التشكيلي لإبراهيم الضحاك وعادل مقديش
  • حميدة الطيلوش، الرّموز الشعبية ومدلولها في الذاكرة الجماعية العربية،
  • عبد الجبار نوري، الرّمزية في حكايات كليلة ودمنة، بتاريخ 22 نوفمبر 2013
  • مدونة داود سلمان الشويلي، رمزية الحيوانات والطيور في الخطاب التشكيلي لعراقي المنجز التشكيلي للفنان ” كريم داود ” انموذجا، بتاريخ 16 جوان 2014، مدونة أدبية خاصة بكتابات الكاتب.
  • عز الدين ميرغني، توظيف التراث في الفن التشكيلي، بتاريخ 5 مارس 2015، صحيفة ألوان دعوة للحق والخير والجمال.
  • مراجع على الشبكة الرقمية :
  • Encyclopédie Universalis, paris 1990.
  • EncyclopédiaUniversalis , paris France S.A mars 1996.
  • Facebook :فنانون تشكيليون تونسيون
  • شبكة الألوكة
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق