أخبار ومعارض

جدارية عملاقة تسرد ذاكرة الماضي ووجع الحاضر

السوري عمر إبراهيم يستعرض وحوشه النزقة في معرض باريسي

بعد حضوره في العديد من المعارض الجماعية والفردية بمجموعة من العواصم العالمية، شارك الفنان التشكيلي السوري عمر إبراهيم مؤخرا في معرض جماعي افتراضي أقيم في العاصمة الفرنسية باريس تحت عنوان “من حجر إلى حجر”، وذلك في سياق مهرجان “رؤى المنفى” في دورته الرابعة، ناثرا وحوشه التي تعوّد على رسمها في لوحاته على جدارية عملاقة هذه المرة.

كثيرا ما تلفت معالم مُشاركة أي فنان في معرض جماعي كبير إن شارك بلوحة صغيرة أو متوسطة الحجم، وهذا ما لم يفعله الفنان التشكيلي السوري عمر إبراهيم، إذ شارك في المعرض الافتراضي “من حجر إلى حجر” الذي أقيم مؤخرا في باريس ضمن فعاليات مهرجان “رؤى المنفى” بلوحة كبيرة حملت عنوان “وحوش”.

وقال الفنان حول مناسبة المعرض إن ما اتفق على تسميته بـ“الحجر الأول” الذي طالت مدته هو أهم من “الحجر الثاني” الذي تلاه نتيجة اشتداد تفشي وباء كورونا، وكان بالنسبة إليه وللفنانين وعامة الناس الذين جاؤوا من مناطق ساخنة هو بمثابة “نظام مسلح، ووصاية سياسية، ودينية واجتماعية وحجر على الحريات الفردية”، في دلالة واضحة على ما أشار إليه عنوان المعرض، أي الخروج “من حجر إلى حجر”.

لا شك أن مشاركة الفنان بجدارية وليس بلوحة ذات مقاسات متوسطة ساهم في سطوة حضوره في المعرض. ولكن ذلك لن يكون كافيا لو كانت جداريته ضعيفة من حيث التعبير والبيان.

وليس من الغريب لأي مطلع على أعمال إبراهيم منذ أكثر من عشر سنوات، أن يبحث عن “وحوشه” ليرى إن كانت لا تزال ترتع في مساحات لوحاته الصغيرة كما الكبيرة أم لا، ولكن لتفقّدها و“الاستعلام” عن أخبار تحوّلاتها مع مرور الزمن وتكاثر النوائب.

وإذا لم يُطلق الفنان على جداريته هذه عنوان “وحوش”، فهي كانت على الأرجح ستكون عنها، لأنها كانت حاضرة بشكل شبه حصري في لوحاته السابقة.

ها هي اليوم وقد تخطى حضورها حدود أجسادها شبه الإنسانية لتتفشى في أرجاء جداريته العميقة المتراكمة الطبقات والغنية بالتفاصيل. التفاصيل التي حضرت في جدارية الفنان وهي إما أنفاس تلك الوحوش وقد اتخذت أشكالا مرئية أو كتاباتها المُشتّتة وكأنها خرجت من أفواهها أو سطّرتها أقلامها المغشية بنعاس أو خدر ثقيل، أو تذمّرها من تبعثرها في الردم السائد في بضعة مواطن من الجدارية.

وحوش الفنان الفادحة متفشيّة في كل مساحة جداريته. وفي حين كانت أكثر صلابة في معارضه السابقة فقد باتت اليوم وكأنها مخلوقات هلامية حينا وشبحية حينا آخر، ممّا مكنها من أن تكون أكثر إيذاء لمن حولها.

أما الاستداريات اللونية التي انتشرت في لوحات سابقة له فقد استكملت نضوجها، إذ انتقلت من كونها إما أشبه بوجوه لرؤوس غائرة حينا تعوم في ماء مُكدّر، أو شبيهة بخلايا حيّة مجهرية وملوّنة، إلى حضورها النهائي تقريبا (لأنه لا نهائية في تحوّلات التجربة الفنية).

جدير بالذكر أن هذه الحلقات المُتكدّرة التي كانت حاضرة في أولى لوحاته، ظهرت أيضا في لوحاته التي سبقت هذه الجدارية، لتكون وجوها بشرية خافية ملامحها وضعها الفنان في ما يشبه صناديق/ شبابيك يعبّر من خلالها عن الحجر الصحي وضرورة التزام المنازل والعزلة الاجتماعية.

أما الخوف الغضّ الذي حضر في لوحاته السابقة مُتجسّدا في وحوش بشرية واضحة المعالم، فقد انتقل اليوم إلى عالم الأساطير التي تتخطّى عالمنا الإنساني المحدود نحو عالم الميتافيزيقا.

وحضرت أيضا وبشكل جليّ مخلوقات من نوع آخر في الجدارية. مخلوقات تكاد تكون نورانية تتواجه مع الوحوش حينا وتجاورها حينا آخر، وربما ستكون هي من سيطغى في أعماله المستقبلية.

احتفظ نص عمر إبراهيم الفني بخاصية نضارة التجربة، إذا صحّ التعبير، فجداريته هذه كما أعماله السابقة تُشعر الناظر إليها بأنها إما غير مُنجزة لهول المواضيع التي تطرأ عليها أو هي قيد الإنجاز، بل في تشكلها الدائم وتحوّلاتها المُستمرة التي تعجّ بصخب داخلي على إيقاع دائم التوتر. ربما ما يجعلها كذلك هو أن الفنان قد يكون رسمها بخطوطها العريضة قبل أن يدخل إلى التفاصيل، كبحر تحتدم فيه الأمواج ولا يُلطفه إلا الزبد الأبيض المُتمثل بتلك الكائنات النورانية التي ذكرناها آنفا.

وظل الفراغ إيحائيا ولم يغب عن جداريته كما في العديد من لوحاته السابقة. ظهر وكأنه البعد الرابع (الزمن) الذي نعثر على آثار تجريحه في خلفية الجدارية بجزئيات هندسية وكتابات بالخط العربي وتفاصيل أخرى مستمدة من الواقع ومن الخيال على حد سواء.

واضح تطوّر النص البصري للفنان والذي رفده خيال كبير تبلور على وقع اشتداد الأزمات من ناحية وتحت تأثير تنقله من بلد إلى آخر حتى استقراره منذ عدة سنوات في مدينة باريس التي تعيش مؤخرا حياة فنية جديدة، وللمفارقة بعد قدوم فنانين شرق أوسطيين هربا من الحروب والقهر.

يبدو أن الفنان هو اليوم أمام مرحلة جديدة، إذ جاءت هذه الجدارية بكلمة الفصل: انتقال الفنان إلى مستوى آخر يختلط فيه الحسيّ بالميتافيزيقي وربما ينتقل فيه الصراع إلى حدود أخرى.

وعمر إبراهيم من مواليد السويداء السورية في العام 1978، تخرج في جامعة دمشق للفنون. شارك في العديد من الفعاليات الفنية وحصل على العديد من الجوائز والشهادات الفخرية من اليابان لتصميم أنجزه لشركة وجائزتين من مهرجان المزرعة للإبداع الفني والأدبي بمدينته السويداء سنة 2003 وسنة 2009.

كما حصل على جائزة من مهرجان الشباب الرابع بدمشق في العام 2004. استقر في باريس منذ سنة 2014، وجاء هذا المعرض امتدادا لسلسلة من المعارض الفردية والجماعية والإقامات الفنية في السعودية والولايات المتحدة ودبي وإيطاليا وطوكيو ولبنان وفرنسا وسوريا. وهو اليوم أستاذ في المعهد العالي للفن في منطقة الباسك الفرنسية.

ـ العرب

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق