حوارات وتحقيقات

النخيل أقدم أصدقاء الشرق الأوسط

يحمل قيمة تاريخية وثقافية تمتد لقرون

* في عام 2019، تم تسجيل المعارف والتقاليد والممارسات المرتبطة بالنخيل ضمن قائمة اليونسكو لحفظ التراث الإنساني غير المادي، بعد أن تقدم بطلب إدراجها 14 دولة عربية

* تستخدم عروق النخيل كعوارض يتم تثبيتها على الإطار الخشبي لصنع الأَسرة في مصر القديمة، وتوضع فوقها حصيرة منسوجة من ألياف سيقان طلع النخل

القاهرة: النخيل من أقدم الأشجار التي دُونت آثارها في تراثنا غير المادي. ينمو النخيل في 14 دولة عربية مختلفة المناخ، ولكنه دائمًا ما يمثل فكرة ثقافية تحظى بالتقدير.

ووفقاً لأرشيف الفلكلور والتراث الشعبي المصري، يرجع تاريخ النخلة إلى 80 مليون سنة، ولكنها أصبحت جزءًا من حضارة الشرق الأوسط، وخاصة في الخليج العربي، منذ حوالي خمسة آلاف سنة.

في بابليون القديمة بالعراق، كانت النخلة شجرة مقدسة للإلهة عشتار. وفي مصر القديمة، كانت شجرة الإلهة حتحور، ورمزت لطول العمر. كما عُرفت النخلة بـ«شجرة الجنة»بسبب فوائدها الهائلة للبيئة. ويعكس ذِكر النخيل في الكتب السماوية اليهودية والمسيحية والإسلامية قيمتها الثقافية الممتدة.

في عام 2019، تم تسجيل المعارف والتقاليد والممارسات المرتبطة بالنخيل ضمن قائمة اليونسكو لحفظ التراث الإنساني غير المادي، بعد أن تقدم بطلب إدراجها 14 دولة عربية.

«يا طالع النخلة»

في النوبة بمصر، تعد النخلة جزءًا لا يتجزأ من حياة السكان اليومية. يوضح الدكتور مصطفى عبد القادر، رئيس جمعية التراث النوبي أن «كل جزء في النخلة له فائدة».

ويضيف دكتور مصطفى: «يستخدم جذع النخلة في صناعة الأسقف للبيوت النوبية. وهي سمة منتشرة في العمارة الإسلامية نظرًا لطبيعة الجذوع القوية والمرنة في نفس الوقت. لننظر مثلًا إلى مسجد عمرو بن العاص في القاهرة، حيث السقف المصنوع من جذوع النخيل وهو قائم منذ ما يزيد على 600 عام».

ويحتوي جذع النخلة على ألياف صلبة تستخدم عادة في صناعة الأحبال، ويستخدم الجريد في صناعة السلال والأسرّة النوبية التقليدية والمنسوجات وأغطية الأسقف.

ويحتوي قلب النخلة المعروف باسم الجمّار على طبقات بيضاء تستخدم كأساس في صناعة السلال النوبية الأصلية. يتم نسج جريد النخيل الأخضر حول طبقات الجمار ثم تلوينه بأصباغ طبيعية مستخرجة من البيئة. ويضيف دكتور عبد القادر أن الجمار يصلح للأكل أيضًا وهو من الأطعمة الشهية.

كذلك يستخدم جريد النخيل في النسيج، ويتنشر استخدامه في بناء أسقف البيوت النوبية الأصلية.

من جهة أخرى، يُسحق عرجون النخيل، سيقان التمر، وتُصنع منها أحبال قوية تستخدم في سواقي أو نواعير الماء حتى تزداد قدرتها على التحمل عند غمرها بالماء. أما بالنسبة للتمر، فتختلف جودته بناء على التربة التي زرع فيها. ومن أشهر أنواع التمر النوبي البرتمودة والبرقاوي.

ويقول الدكتور عبد القادر: «نخيل التمر له قيمة كبيرة عند النوبيين. وبحسب التقاليد النوبية، غالبًا ما يستحم العريس المقبل على الزواج في النيل ثم يدور حول نخلة سبع مرات كنوع من التبرك، حيث يعتبرون النخلة شجرة مقدسة ومعروف أنه من شجر الجنة».

كذلك يعد النخل محور كثير من الأغاني المصرية. وأغنية «يا طالع النخلة»واحدة من الأغاني الفلكلورية العديدة التي توثق النخلة كعنصر فريد في التراث المصري، حيث تتحدث عن المهنة الموسمية الاستثنائية والصعبة لطالعي النخيل. وهم يتسلقون النخيل في جميع أنحاء صعيد مصر لجمع البلح. وفي أثناء موسم حصاد التمر، الذي يبدأ بعد موسم الفيضان في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، تُغطى الحقول في محافظة أسيوط بأنواع تمور عديدة. وبحسب أطلس نخيل البلح والتمور في مصر، تزرع مصر 79 نوعًا تقريبًا من التمر بألوان متنوعة ما بين درجات الأحمر إلى الأصفر.

ويوجد العديد من ألعاب الفلكلور المرتبطة بالنخلة. إحدى هذه الألعاب هي الحكشة، والتي تشبه إلى حد كبير نسخة قديمة من لعبة الهوكي الإنجليزية. والحكشة هي لعبة شعبية انتشرت في صعيد مصر، حيث كان الأطفال يستخدمون جريد النخيل كعصي الهوكي.

سرير نوبي أصلي مصنوع من مواد مستخرجة من النخيل (تصوير: أميرة النشوقاتي)

من التمر إلى الأثاث

على مدار قرون، استمر نخيل التمر في صداقته وولائه لبيئتنا. وفي فترات أقرب من العصر الحالي، سمحت لنا التكنولوجيا بإدراك الاستخدامات اللانهائية لهذا الكنز الزراعي. في مكتب الدكتور حامد الموصلي بكلية الهندسة جامعة عين شمس، تصدرت نخلة التمر محور دراسته وأعماله.

يتذكر الأستاذ الجامعي: «بدأت رحلتي مع النخيل منذ زيارتي إلى سيناء في السبعينات. وفي عام 1979، نظمت جامعتي رحلة إلى سيناء بعد تحريرها من الاحتلال. وزرت منازل السكان في العريش، وتعجبت كيف يمكنهم صناعة الأسقف من جريد النخيل. كانت المرة الأولى التي أرى فيها النخيل مستخدمًا في إنشاء المباني..كان سكان العريش يصنعون نسيجًا من جريد النخيل، ثم يضعونه فوق جذوع النخيل ويضيفون بعض البوص. وأخيرًا، يضعون فوقها الطمي. وتتميز أسقفهم ببعض الميل لكي تسمح بانزلاق مياه الأمطار من عليها».

يقول الدكتور الموصلي إنه اكتشف عبر دراسته أهمية النخيل كجزء لا ينفصل عن حياة الريف المصري.

وكانت الأسوار والأسرّة القديمة تصنع من جريد النخيل. وبحسب ما ورد في كتاب تركيبة ألياف نخيل البلح، تستخدم عروق النخيل كعوارض يتم تثبيتها على الإطار الخشبي لصنع الأَسرة في مصر القديمة، وتوضع فوقها حصيرة منسوجة من ألياف سيقان طلع النخل.

يتولى الأستاذ الموصلي منصب الرئيس التنفيذي للجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية والتي تأسست عام 2003. ونظرًا لإيمان الجمعية بقدرة المجتمعات المحلية على التطوير الذاتي عن طريق الوصول إلى أفضل استخدام للبيئة، أطلقت الجمعية عدة برامج لإعادة اكتشاف المواد المحلية داخل كل مجتمع ولمعرفة كيفية الاستفادة منها.

يقول الدكتور الموصلي: «عملنا في جميع أنحاء الصعيد، وآخر مشروعاتنا كان في محافظة المنيا. توجد قرى فقيرة جدًا ولكن بها كثير من النخيل. كذلك ثقافة الاستفادة من النخيل قائمة هناك بالفعل. لذا قررنا بدء التنمية بها وأنشأنا مشروعات يمكنها أن تدر دخلًا لسكانها».

وتهدف جمعية التنمية الذاتية للمجتمعات المحلية إلى الاستفادة من النخيل المثمر الذي يصل عدده في الدولة إلى 15 مليون نخلة.

ويوضح الدكتور الموصلي أنهم ساعدوا «في قرية القيات، إحدى أفقر قرى المنيا، يعمل الرجال في صناعة الأثاث من جريد النخيل بهدف بيعه وتصديره».

وأصبحت الطاولات والمكاتب والمقاعد وحتى منتجات الأرابيسك، وغيرها الكثير من المنتجات، جزءًا، من برنامج الجمعية التي تمثل مصر في المعارض الدولية حول العالم.

ويضيف الدكتور الموصلي قائلًا: «عملنا على مشروعات باستخدام البوص وصنعنا مسابح من بذور النخيل. وأشرف حاليًا على بحث دكتوراه يتناول كيفية تحويل جريد النخل إلى فحم».

*المجلة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق