شخصيات فنية

الفن يجمع فلسطينياً وروسية في سانت بطرسبورغ

كانت عيناه تبرقان فرحا حين يشاهد إعلانا حول اقتراب عرض فيلم من أفلام السينما، فيبدأ بتوفير مصروفه المدرسي يوميا كي يُحصّل سعر التذكرة، في يوم العرض ينطلق برفقة بعض الأصحاب مشيا على الأقدام سالكا طريقا رمليا طويلا من مخيم جباليا شمال قطاع غزّة إلى سينما عامر أو سينما الجلاء في المدينة، ماهر ناجي مهندس معماري وفنان فلسطيني من مواليد مخيم جباليا عام 1963، لأسرة هُجرت من موطنها الأصلي في قرية السوافير الشمالي عام النكبة 1948، وأنهى تعليمه الأساسي والثانوي بمدارس المخيم، لينتقل عام 1983 إلى روسيا، ويلتحق بأكاديمية الفنون، ويعود إلى غزة في عام 1994 بعدما حصل على شهادة الدكتوراه في العمارة العربية، يروي ناجي لـ الشرق خطواته الأولى نحو السينما التي اندثرت اليوم: “كانت خطواتي نحوها هي الأجمل في طفولتي وتحديدا في المرحلة الإعدادية، وما تزال ذكراها عالقةً في مخيلتي ويشدّني إليها الحنينُ كلما أمسكت بالريشة والقلم”.

بمجرد الخروج من السينما يضجّ خيال ناجي بالأفكار والصور، وسرعان ما كان يفرغها بشوق، دون أن يستخدم أقلام رصاص أو ألواناً، لم يبح بها على ورقٍ أو لوحات خاصة بالرسم فأي شيءٍ من هذا لم يكن متوفرا، لقد راح يرسمها على الحيطان.
يقول بابتسامة: “كنت أرسم على جدران المخيم، مستخدما مادة التزهير “البودرة”، المُسماة بـ”الزهرة”، تلك التي اعتادت النساء استخدامها آنذاك في الغسيل فتعطي لونا سماويا نقيا للملابس البيضاء”. ويضيف: “كنت آتي بها من منزلي متخفيا وأذوِّبها في الماء، ثم بالفرشاة أرسم ما يجول بخاطري على جدران المخيم رسما جميلا”. لكن النهايات دوما كانت وخيمة مع أمّه الطيبة التي لم ترَ في فعلتِه سوى استهتار وخربشة، كبر ناجي وانتقل إلى روسيا، ليدرس في الجامعة فاجتاز مجموعة اختباراتٍ فنية إلزامية قبل دخوله قسم هندسة العمارة الذي يصفها “هندسة العمارة أم الفنون”، في مدينة “سانت بطرسبورغ” عاصمة السياحة والفنون والثقافة في روسيا، المدينة التي أسسها القيصر الأول كنافذة مطلة على أوروبا، وحيث متحف الارميتاج، الذي تعيش فيه 3 ملايين لوحة وتحفة فنيه، في خمسة مبان على نهر نيفا الروسي، وتحديدا في أكاديمية الفنون الشهيرة “بارون شتيغلز” التقى ناجي بالروسيّة إيرينا، ورفرف قلباهما بالحب، كانت زميلتَه وعريفة مجموعتِه وفق قانون الجامعة، ويا لحسن حظه مع تلك الجميلة، فَلَكَم تأخّر ولم تُسجّله متأخّرا من دون الطلاب. يوضح:” أكملنا دراستنا معا ثم انتقلنا للعيش في مخيم جباليا للاجئين حيث أسرتي الفلسطينية وبدأنا مرحلة جديدة من الكفاح والعمل”، استقرّ الفنانان وشكلا أجمل لوحة حب أسرية.


النكبة الفلسطينية

الفنان ناجي يحاول في الكثير من لوحاتِه التي شارك بها في المعارض العامة والخاصة إبراز الثقافة والقضية الفلسطينية والنكبة، فتعددت لوحاته التي يسرد فيها حكايا القدس والمسجد الأقصى والعدوان على الفلسطينيين، ومشاهد كثيرة تبرز حكاية الفلسطيني بإبداع وبصمة خاصة، تجعلك تميز لوحاتِه من بين مئات اللوحات المختلفة، وكذلك جسّد الفنان ناجي جمال المرأة الفلسطينية بالثياب التراثية المطرزة، يقطفن البرتقال ويحصدنَ القمح ويملأن جرار الماء ويطحنَّ القمح بالطاحونة اليدوية، ويتراقصنَ مرحا في الأعراس، وغيرها من صور الحياة، والطبيعة، والجَمال “إنه تاريخ شعبنا ومكوّن أساسي من ثقافتنا وكينونتنا”.
لقد طوّر ناجي تقنية تهدف إلى تقميش الصفحة التشكيلية في مطارح معينة، ما يضفي على العمل بعداً بصرياً واضحاً، وفي ما يختص بالخيارات اللونية، ينزع الفنان نحو أطياف لونية واحدة، مع ما يمكن أن يتناسل منه كالفاتح أو الكامد، أو ما يتوسطهما من أطياف. هذا المدخل الذي يبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الاستسهال، إنما يتطلّب، في الواقع، دراية كافية بكيفية التعامل مع النمط المسمى “المونوكرومي”، هذا النمط يتقنه ناجي وتشهد على ذلك أعماله التي شاركت في أكثر من تظاهرة فنية، ونالت إعجاب المتلقين نظراً لما تحمله من سحر الشرق المتوسطي من جهة، ومن التزام القضية الوطنية من جهة أخرى.
ويطمح ناجي إلى أن يُشارِك بمعرض نوعيّ في القدس نفسها ويحمل اسمها، خاصة أنه يرسم المدينة كما يراها بقلبه لا بعينيه، كأنه يريد أن يطفئ حزننا العميق وشوقنا إلى رؤية المدينة ولمس حجارتها، فرائحة التراب هناك تعلن أن «الأرض لمن سقطوا عليها مدافعين، ولم يرحلوا». أما زوجتُه إيرينا فتأقلمت شيئا فشيئا على العيش في قطاع غزة، حتى باتت ترسم كل ما يتعلق بفلسطين وثقافتها، لدرجةٍ تظنّ فيها أنها بالأصل فلسطينية.
اختلاف الرؤية
وإن كان الشبه واضحا بين لوحات الفنانين لكن ثمة فروقا ينتبه إليها الناقد، هي بالحقيقة تعزّز الاختلاف في الرؤية والتقنية، وفق الكاتبة في صحيفة العرب “ميموزا العراوي” حيث ألبس ماهر ناجي كنعانياته ملابس تراثية مزركشة كتصريح عن موقف من التاريخ ورغبة في ترسيخه في الذاكرة، لذلك بدت تفاصيل الملابس حادة الحضور وواضحة المعالم، أما إيرينا فهي المأخوذة بالتراث الفلسطيني الذي حدثها عنه الفنان طويلا قبل أن تراه بأم عينها حينما عادت معه للعيش في غزة. وربما لأجل ذلك، تجد لوحات إيرينا كعالم أشبه بالقصص الخرافية ذات النهايات السعيدة، أما للنساء الفلسطينيات في لوحات ماهر حضور طاغ يحصل “طغيانه” من أنهنّ أكثر “حقيقية” من النسوة اللواتي ترسمهنّ إيرينا. فالظلال المترامية في خلفية و”أمامية” لوحات ماهر، يقابلها الانقشاع في لوحات إيرينا، الرومانسية في لوحاتها، الدرامية في لوحاته، الشاعرية في لوحاتها، الغنائية في لوحاته، الملحمية في لوحاته، الخرافية في لوحاتها، هو البحيرة الداكنة وهي السطح الذي يتصدع عليه الضوء زخارف آثرة.

*الشرق

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق