مقالات وكُتاب

الفن التشكيلي السعودي: «الرؤية الفنية»*

الفن يبتكر الحياة ويمنح لها شاعرية رائعة وعمقًا فريدًا, ويضيف إلى المعرفة الإنسانية حياة أفضل ويمنحها جمالاً متجددًا, فهو يعكس كل التداعيات التي تلخص تجربتنا بالحياة وما يختزن في دواخلنا من أحاسيس ومشاعر وثقافة ورؤية تجاه الأشياء.

وسُمي بالفن التشكيلي لأن الفنان يستمد مفرداته من محيطه وحياته اليومية فيقوم بصياغة الشكل الفني بطريقة جديدة, أي يشكِّله تشكيلاً جديدًا وفق أسلوبه الخاص, لهذا يُطلق عليه (التشكيل), حيث إن لكل فنان رؤيته الخاصة.

وفي بداية القرن العشرين تطور الفن التشكيلي وظهرت النظريات العلمية واخترعت آلة الكاميرا فاضطر «الفنان الباحث» للتفكير والتجريب معتمدًا على الخيال والابتكار للبحث عن الجديد في الفن بعيدًا عن الكلاسيكية القديمة «الواقعية» التي كانت تعتمد فقط على الجمال ومطابقة الأشياء. مما منح الفنان المعاصر فرصة التميز وفق قواعد ونظريات علمية وفلسفية وامتاز بالميول الفكرية التي تجعله يفكر ويبحث في نفسه ومحيطه، على العكس من فنان العصور القديمة الذي كان دوره ينحصر في المحاكاة والتقليد والذي لا يزيد عن دور آلة التصوير (الكاميرا), وبناءً على ذلك ظهرت المدارس الفنية المختلفة التي لم تعد تهتم بتلك المظاهر لأنها تبحث فقط في المضمون وجوهر الأشياء التي تعبِّر عن حقائق هذه الأشياء, فأخذ المنتج الفني قيمةً وبعداً عميقًا، وتعددت الأساليب والمذاهب المعاصرة على مختلف اتجاهاتها ومن تسمياتها التي أطلق عليها «مدارس» مثل: التجريدية والتكعيبية والمستقبلية والتعبيرية والسريالية والرمزية والانطباعية والبدائية, وغير ذلك.

ومن المعروف أن كل فنان له أسلوبه الخاص في طرح منتجه الفني للعامة, فالأسلوب هو البصمة الفنية التي ينفرد بها الفنان وتميزه عن غيره من الفنانين في معالجته للعمل الفني وطريقة تناوله للخامة والأدوات والتقنية الفنية في الرسم أو النحت، حيث لم يتحدد في عصرنا الحالي أي قواعد للأسلوب الفني المستخدم، فبعض الفنانين استخدم أكثر من أسلوب في أعماله الفنية للتعبير عن رؤيته الفنية، مثل: بيكاسو، والبعض استخدم الأسلوب الفني نفسه طوال حياته، مثل: هنري ماتيس.

أما بالنسبة للرؤية الفنية فنؤكد أن كل الأعمال الفنية بلا استثناء تُبنى على رؤية الفنان الخاصة وليس على رؤية المتلقي، وهذه الرؤية الفنية التي تخص الفنان وحده فقط تعتمد على البصر والبصيرة, فالبصر هي حاسة الإبصار والعين التي يشاهد بها وتلاحظ الجمال في كل شيء وتسجل أدق التفاصيل, أما البصيرة فهي الرؤية التي يحملها الفنان, والخلفية التي يملكها من قبل, وهي التي تلهمه لإنتاج أعمال حسب هذه الرؤية الفنية ليعبِّر عنها بطريقة مختلفة عن الآخرين.

وفي معارضنا الفنية نجد الكثير من المتلقين يبحثون عن مفاتيح لقراءة العمل (حمامة, يد, عين,, الخ) لتأويلها وفق تصوره الخاص والتي قد لا تتطابق حقيقة مع فكر الفنان أو توجهاته, وهذا شيء مؤسف وضد الفن وحرية الفنان, وعلى أي حال..فإن الفن بوصفه عالماً واسعًا ومتداخلاً له جوانب كثيرة قد يحتمل الكثير من الرؤى والأفكار والخيالات والأحلام, لأنه يعبِّر عن حالة خاصة تُطرح للعامة, وبوصفه تجربة ذاتية تعكس ثقافة الفنان له مطلق الحرية في التعبير عنها بحرية وطلاقة.

ومن أهم الأمور التي يصبو إليها جيل الشباب من الفنانين هو عملية اكتشاف ذاتهم من خلال مجريات الأحداث الحالية, فمنهم من يكون قادراً على تحقيق ذلك، ومنهم من قد يحتاج وقتًا, ومنهم من يضيع وييأس ويترك الفن تمامًا. فالحداثة لها شروط أساسية لتحقيق الرؤيا الحديثة, وهي ليست نتاجًا سريعًا لشكل حديث, لكنها يجب أن تكون رؤيا جديدة لاكتشاف حاجات إنسانية جديدة، وأن يتواجد العنصر الدرامي في تكوين العمل الفني, وأن يكون واضحاً محققاً بذلك أهم شرط من شروط العمل الفني وهو الرؤيا غير المسبوقة برؤى الآخرين والتي يقف أمامها المتلقي مدهوشاً ومتسائلاً.

وفي هذه المقالة نستعرض بعض التجارب الفنية لفنانين شباب سعوديين لهم رؤيتهم الفنية الخاصة، ومنهم: (مها القطيان, مهند بحاري, مريم الهزازي).

* * *

– الفنانة مريم الهزازي

لوحة بعنوان (عرش بلقيس) عام 2019م.

ألوان اكريلك على كانفس, مقاساتها 100×120سم.

تعبِّر الفنانة بلوحتها عن خيالها حول عرش بلقيس بسبأ وفق رؤيتها الفنية الخاصة بها. الفنانة مريم عادل هزازي، من الرياض, تحمل بكالوريوس إدارة أعمال, وتعمل اختصاصية موارد بشرية, بداياتها الفنية منذ عام 2011م، وهي عضو في جمعية الثقافة والفنون, عضو في جسفت, عضو في النادي التشكيلي. ومن أهم مشاركاتها الفنية: (المشاركة باسم المملكة العربية السعودية في رحلة تعريف بالسعودية وفنونها في ألبانيا, إقامة دورة سجاد يدوي للمتعافيات من الإدمان في مستشفى الأمل بالرياض, إقامة دورة في النسيج «السدو» لنزيلات دار المسنات).

* * *

– الفنان مهند بحاري

لوحة بعنوان (حاملة الورد) عام 2020م.

حبر على ورق مقاسها: A4.

يعبِّر الفنان في هذه اللوحة عن اندماج الفن الحديث مع الكلمات العربية, ويهدف لإثراء المحتوى العربي وتضمينه في ثقافتنا العربية لتكوين فن جديد خاص ومميز.

الفنان مهند مشبي بحاري، من الرياض, يحمل بكالوريوس في التمريض ويعمل ممرضًا بالصحة النفسية, بداياته الفنية منذ عام 2016م، وأهم مشاركاته الفنية كانت في (مسك «تجلت»، مسك عام 2019م, مبادرة «جسفت للشباب» 2020م).

* * *

– الفنانة مها القطيان

لوحة بعنوان (موناليزا نجد: أمي) عام 2020م.

ألوان زيتية على كانفاس, مقاسها 80×80 سم.

تعبِّر الفنانة عن ذكرياتها في طفولتها بقرية (الرغبة) التي تقع شمال غرب الرياض وكان فيها برج تراثي قديم يتجاوز عمره مئتين سنة اسمه (المرقب)، وكانت أمها تقول لها إنها كانت هي وصديقاتها يحببن اللعب بجانبه في طفولتهن, وبعد وفاة والدتها تتذكر حكاياتها الجميلة وتختزن الحب والشوق لها, فعبَّرت عن والدتها وطفولتها بهذه اللوحة.

الفنانة مها بنت عبدالله القطيان، من الرياض, بداياتها الفنية منذ عام 2017م وتحمل مؤهلاً جامعيًا تخصص دراسات إسلامية وتعمل عملاً إداريًا وتشرف على قسم الإعلام والجودة بكلية العلوم والدراسات الإنسانية بمحافظة حريملاء.

** **

د. هناء بنت راشد الشبلي – مديرة إدارة التخطيط وإدارة الفروع بجمعية جسفت

*al-jazirah.com

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق