حوارات وتحقيقات

الرسم على جدران المخيم الفلسطيني: سردية بصرية يومية تعزز الصمود وإرادة الحياة

الرسم على الجدران أو ما يعرف بـ “الفن الغرافيتي” شكل من أشكال حرية التعبير الحضاري ونفحة إنسانية وحاجة طبيعية تصاحب الإنسان في كل مراحل حياته.

انتعش فن الرسم على الجدران خلال السنوات الأخيرة، داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ورسم فنانون فلسطينيون على جدران المخيمات لوحات جميلة ومعبرة  تحاكي معاناة اللاجئين في لبنان وتؤرخ لمأساتهم ومحطات نكبتهم، فبادر الفنانون بهذا الفن وأخذوه سبيلاً في إطار إبراز القضية وأحقيتها.

وأطلقت مبادرات لتشجيع الرسم على الجدران داخل العديد من المخيمات الفلسطينية في لبنان، وشكلت لجان محلية لتنظيم هذه المبادرات.

كما ساهمت منظمات المجتمع المدني الفلسطيني بدعم كل فنان تشكيلي يبادر بالرسم على جدران المخيم، من تمويل مؤسسة “أرض البشر – لوزان” و”التضامن السويسري” و”الوقفية الإنسانية للإغاثة والتنمية” و”جمعية المرأة الخيرية” وتم تقدمة الأرض من قبل منظمة التحرير الفلطسينية واللجنة الشعبية.

بدأ الفنان التشكيلي الفلسطيني سليم عاصي، مبادرته الرسم على جدران مخيم الجليل قرب مدينة بعلبك كتعبير عن مشاعر الفلسطينيين المشردين في دول الشتات، يحكي رواية اللجوء الفلسطيني منذ النكبة حتى الآن، على جدران المخيم التي صارت شاشة مرئية على الطرقات.

مزج عاصي، بين رسومات تحاكي معاناة اللاجئ الفلسطيني الإنسانية ورسومات تعبر عن إرادة الفلسطينيين وتروي تاريخ قضيتهم، انطلاقة الثورة، ومن توقيت النكبة الأولى إلى الوقت الحالي، وانتهاء بمسقط رأسه في المخيم.

يقول الفنان سليم عاصي لـ”القدس العربي” إن الفن التشكيلي والغرافيتي شكل من أشكال المقاومة، ويعزز الصمود ويشحذ الهمم ، ويساهم في تصليب الإرادة. مضيفا، “الرسم التشكيلي على جدران المخيمات في لبنان يحمل أهم أداة من أدوات المواجهة وهو الوعي الحقيقي بالقضية وتاريخها والجرأة على تقديم هذا الوعي من خلال جداريات” مشددا على أن رسومات وشعارات الجدران تمثل عنصرًا رئيسيا في مكوّنات الفضاء البصري العام في المخيمات الفلسطينية خاصة داخل مخيمات الشتات؛ فجدران مدخل المخيم الفلسطيني وأزقته هي المساحة الوحيدة تقريبًا المتاحة لأبنائه، للتعبير عن هويتهم الفلسطينية، وعن حكاياتهم حول اللجوء، وحلمهم بالعودة وتمسّكهم بها كحقّ غير قابل للمساومة، وهو وسيلة أيضًا للإعلام عن الفعاليات والمناسبات الوطنية والحشد لها، ولتوثيق الأحداث اليومية، ولتكريم الأسرى والفدائيين والقادة، ولتخليد ذكرى الشهداء.

يشكل غرافيتي المخيم الفلسطيني جزءًا من المشهدية الواسعة للغرافيتي الفلسطيني عمومًا، إلا أن المخيمات تبقى بؤرة واضحة لتمركز هذا الفن نظرًا إلى خصوصيّة واقعها.

تتمحور مواضيع غرافيتي المخيمات في غالبيتها العظمى حول القضية الفلسطينية وما يتعلق بها من أحداث، وتتناول بدرجة أقل بكثير قضايا اجتماعية وثقافية، كمسائل تتعلق بالمرأة، والمخدارت، وغيرها.

ومن أبرز مواضيع رسومات الجدران في المخيم الفلسطيني: هوية اللجوء، وحق العودة، والتأكيد على الانتماء للوطن الأم، وتمجيد الثورة المقاومة والعمليات الفدائية ضد الاحتلال والتحريض عليها، وتمجيد الشهداء وتخليد ذكراهم، والهوية الفلسطينية بمكونها الريفية والتراثية، والقدس، واللاجئين، وقيم العدالة والحرية عامة.

وتجد هذه القضايا تعبيرًا عنها في رموز وتكوينات تكثر وجودها في رسومات الجدران مثل: العلم الفلسطيني، وخريطة فلسطين التاريخية، والمفتاح كرمز لحق العودة، والكوفية الفلسطينية، والمرأة الفلسطينية بزيها التقليدي، واللاجئ، وبورتريهات الشهداء والأسرى، والسلاح والشمس والحصان كتعبير عن المقاومة والثورة، وحنظلة، وقبّة الصخرة، وغيرها الكثير من الرموز. كما يقوم فنانون محترفون، يمارسون الفن التشكيلي إلى جانب ممارستهم فن الغرافيتي، بتوظيف بعض الأفكار المفاهيمية المعاصرة للإشارة إلى الهوية والقضية الفلسطينيتين.

يستلهم غرافيتي المخيم مواضيعه من الرواية الفلسطينية حول النكبة والنكسة ومن مختلف مراحل النضال الفلسطيني، ويستلهم الهوية الفلسطينية بكل مكوناتها، ومن التراث الفلسطيني، ومن الثقافة العربية كالخط العربي وجمالياته، ومن قصائد شعراء فلسطينيين وعرب، وينهل ومن سِيَر القادة والفدائيين والشهداء، ويقوم فنانون أيضًا بإعادة تنفيذ بعض رسومات العلي على الجدران .

محمود المصري، فنان تشكيلي فلسطيني يعيش في مخيم شاتيلا  حمل ريشته وألوانه وتنقل بها بين مخيمات شاتيلا وبرج البراجنة ومار الياس قرب العاصمة اللبنانية بيروت، استطاع المصري أن يحول الكثير من جدران المخيم إلى لوحات جميلة ومعبرة، رسم مأساة اللاجئين وروى من خلال رسوماته القضية وإرادة الحياة والتمسك بالحقوق .

قال محمود المصري لـ”القدس العربي”: شعرت أن من خلال رسومات المعبرة والتي تحاكي مأساة الشعب الفلسطيني وقضيتهم الوطنية، إلى جانب تاريخهم وتاريخ ثورتهم أنني أساهم بريشتي بالنضال والثورة، رفضا للذل وإهدار الحقوق، ومحاولات تصفية القضية.

الرسومات على جدران المخيمات تشحذ الهمم، وترفع من مستوى الوعي لتبقى الثورة نور ونار ولتبقى العزيمة وليبقى التاريخ للشعب منارة لاستمرار الكفاح والنضال.

ويضيف المصري، تتنوع رسومات جدران المخيمات الفلسطينية ما بين أعمال نصّية تعتمد في تعبيرها وشكلها على النص والخط بشكل أساسي، وأخرى تصويرية ـ تشكيلية، وثالثة تجمع بين النص والتصوير. تشمل الأولى شعارات نصية بسيطة، وأخرى تهتم بالشكل الجماليّ للشعار إذ تُنفَّذ بطرق احترافية تُستلهم من أنواع الخط العربي بينما تركز الرسومات الفنية على التعبير البصري بالتكوينات الشكلية والألوان، وعادة ما تستخدم مساحات كبيرة من الجدران. ويضم النوع الذي يجمع بين النص والتشكيل رسومات توظف جماليات الخط العربي ضمن تكوين بصري ذي دلالات، وهناك أيضًا الرسوم التي توظف وتعيد إنتاج أسلوب الوايد الستايل في الغرافيتي.

وناشد المصري الدوائر المعنية دعم هذه المبادرات لإنتاج جداريات في السياق الوطني الفلسطيني. تُنفَّذ هذه الصنوف من رسومات وشعارات الجدران بأدوات وتقنيات مختلفة؛ كالفرش والألوان والأقلام وعلب الرش وتقنية القوالب المفرّغة.

تتنوع الرسومات بكافة الألوان على معظم الجدران ويقول خالد ابو النور مسؤول العلاقات العامة في اللجنة الشعبية الفلسطينية في مخيم شاتيلا لـ”القدس العربي”: اللاجئون الفلسطينيون مروا بتجربة صعبة حيث قام بعض الشباب المتطوعين بتغيير واقع المخيم وإبراز حضارته وإثبات نظرتهم للناس بأن المخيم ليس بسيء ولا يعني أنه مصدر توتر وشغب. أطلق الشباب مبادرة لتشجيع الفنانين المحترفين والمبتدئين لتجميل جدران المخيمات ورسم المعاناة والمأساة والقضية وتاريخ النضال الفلسطيني، وتطوعت مجموعة لتنظيف الجدران وطليها بالأبيض تمهيدا للرسم عليها.

وعبرت أم وليد عن رأيها بالرسم على جدران المخيم  قائلة “لم يسمح لنا حتى بحق التعبير عما نعيشه من مأساة وعما نحتاجه من متطلبات مع انه حق لكل لاجئ فلسطيني بشكل خاص على صعيد المخيمات فكانت الوسيلة الوحيدة للتعبير عن واقعنا هي رسم ما نعيشه بداخلنا وإخراج أحلامنا على جدراننا. وختمت حديثها، “إذا كانت حياتنا عن طريق الرسم على الجدران فحق العودة أفضل لنا من هذه المأساة التي اعتدنا على عيشها”.

تضيف أم وليد وهي تقف إلى جانب العديد من الجداريات التي رسمت على جدران مدرسة النقب التابعة لوكالة “الأونروا” في مخيم الرشيدية “اللوحات على جدران المنازل والمؤسسات تثير الحماسة وتشد العزيمة، وتحاكي مأساة شعب تعرض للنكبات والحروب والمجازر والحرمان والقهر والحصار منذ عشرات السنين”.

سواء جاء الرسم على الجدران داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بدافع من المقاومة والتعبير عن الهوية أو بدافع التجميل، وسواء كان شعاريًا نصيًا أو جدارية ضخمة، إلا أنه يُفصح بمجمله عن طبقات الوعي والذاكرة الجمعييْن للمخيم الفلسطيني وللشعب الفلسطيني ككل، إنه سردية بصرية يومية تتقلّب صفحاتها على جدران المخيم، تروي سيرة اللجوء والهوية، وتحرّض على الفعل المقاوِم، وتصرّ على حقّ العودة، وتخلّد ذكرى شهدائها، وتتطلع إلى تأكيد حقوقها في العودة والحرية وتقرير المصير.

عبد معروف : القدس العربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق