شخصيات فنية

البريطاني بريان فلين يجسّد الطقوس الصوفية بملامح أفريقية

فلين لا يؤمن بحدود ولا بخطوط ثابتة في ممارسته للفنون التشكيلية، بل يرى أن الفنون تمارس بحرية، وبلا قيود.

حجاج سلامة

بريان فلين، فنان تشكيلي بريطاني، في صورة “درويش مجذوب” عاشق للصوفية، متيّم بطقوسها، مولع بزهدها وأذكارها، هائم في عوالمها، مسكون بكل ما هو صوفي وروحاني، يمارس الفن بشغف، ويرسم لوحاته في حرية، وينحت تماثيله في حالة من الوجد اللامنتهي.

الأقصر (مصر) – طاف الفنان البريطاني بريان فلين برسومه ومنحوتاته العديد من البلدان وأقام الكثير من المعارض في مصر وإيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة. لكن القاهرة، ومدينة الأقصر التي اختار الإقامة فيها بشكل دائم، كانا لهما النصيب الأكبر في ما أقامه من معارض للوحاته ومنحوتاته وتماثيله المسكونة بروحه وروح تلك الوجوه التي التقاها في كل مكان زاره في مصر وأفريقيا التي أحبها وأحبته ومنحته الكثير من سحرها وسحر غموض وابتسامات أهلها.

وعلى هامش مشاركته بمعرض “أثير” الذي يستضيفه حاليا غاليري “نون للفنون” غرب مدينة الأقصر الغنية بمعابد ومقابر قدماء المصريين في صعيد مصر، والذي قدّم فيه 35 لوحة ومنحوتة من أعماله، قال فلين إنه أحب الناس، وأحب أرواحهم وملامحهم الطيبة في جنوب مصر وفي أفريقيا، ووقع تحت تأثير ابتساماتهم الساحرة، وهي ابتسامات قال بأنه لم يراها إلاّ على وجوه المصريين والأفارقة.

ولأنه فنان يحمل روح درويش صوفي، فقد ارتسمت ملامح الدراويش في الكثير من رسوماته ومنحوتاته، حتى صار يعرف بـ”الفنان الدرويش”، و”فنان الدراويش”، وهو الذي ارتبط بعلاقة روحانية خاصة مع ساحة الشيخ الطيب، في البر الغربي لمدينة الأقصر التاريخية بصعيد مصر، وصار من روادها، وهي ساحة صوفية أسّسها جد الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر.

وقد صار فلين، أحد رواد الساحة وأحد دراويشها المعروفين، وربما استمد الكثير من أفكاره الصوفية، وحالة “الدروشة” التي صار مسكونا بها، من محاوراته ولقاءاته مع الطيب شيخ الأزهر، وشيوخ الطريقة الصوفية الخلوتية التي تُعدّ ساحة الشيخ الطيب، إحدى مناراتها بصعيد مصر والعالم الإسلامي.

 

بريان فلين: الصوفية عندي تعني الانطلاق والتحرّر في العوالم والفضاءات الفسيحة
بريان فلين: الصوفية عندي تعني الانطلاق والتحرّر في العوالم والفضاءات الفسيحة

 

واعتبر أنه طوال خمسة عشر عاما قضاها في ريف البر الغربي لمدينة الأقصر، ربما لم يتأثّر بشيء، كما تأثّر بالصوفية، حيث يجد نفسه في حالة ترحال وسفر روحي دائم لا ثبات فيه.

وقال إن من أجمل الأعمال الفنية لديه، وأكثرها قربا لقلبه تلك اللوحات التي يرسمها للدراويش، ولشيوخهم من رواد الطريقة الصوفية الخلوتية من شيوخ آل بيت الطيب.

ومن الطريف أن الفنان التشكيلي البريطاني، الذي جذبته الصوفية، قد استطاع أن يجمع بين حبه لتلك الصوفية، ولحضارة مصر القديمة، ونجح في المزج بينهما وتقديم أعمال فنية بخطوط تشكيلية خاصة، صار يتفرّد بها من خلال رؤيته الفنية الخاصة في تناوله لتفاصيل وجوه لوحاته ومنحوتاته، وخطوطه وألوانه التي بات يمتلك قدرة فريدة على استخدامها وتوظيفها بصورة لافتة جعلت له العديد من العشاق والمتابعين لفنه في مصر وخارجه.

ويقول فلين إنه لا يؤمن بحدود ولا بمدارس ولا بخطوط ثابتة في ممارسته للفنون التشكيلية، بل يرى أن الفنون تمارس بحرية، وبلا قيود أو اشتراطات، وهو يرفض أن يلتزم بمدرسة فنية بنوعها في إنتاج أعماله التشكيلية.

وعن وجود تغيّر في نمط أعماله التشكيلية، وأنه ربما طرأ تحوّل ما على بعض تقنياته الفنية، يقول “أنا حر في ممارستي للفنون التشكيلية.. أرسم وأنحت وأجرّب وأمارس الفن كيف أشاء، وبكل حرية دون أن أتقيّد بمدرسة فنية ما”، رافضا تقديم مبرّر لما يكون قد بدا من تغيّر في أعماله خلال فترة زمنية معينة.

وحول الموضوعات والمفردات الفنية الأكثر حضورا في أعماله الفنية، يؤكّد أنه يستلهم أعماله من الطبيعة المحيطة به، ومن معالم الحضارة المصرية القديمة، التي تحيط به في كل مكان يسير فيه في مدينة الأقصر التي يتّخذ منها سكنا ومقاما له، ومن “ست”، و”نفتيس” وأرباب وربات قدماء المصريين، ومن وجوه الناس، ومن طقوس الصوفية والدراويش، الذين يلتقيهم كل يوم في مجالس الِذكر والعلم والتدّبُر.

ويلفت التشكيلي البريطاني إلى أن مصر والصوفية والشرق أشياء غنية بالمفردات والصور التشكيلية الثرية التي تعدّ مصدر إلهام لكل فنان. ورأى بأن ما ينعم به من حرية في ممارسة الفنون، إنما هو جزء من شخصية الصوفي بداخله، والصوفية، تعني عنده، “الانطلاق والتحرّر في عوالم وفضاءات فسيحة”.

وحول تجربته الفنية في إقامة مجموعة معارض فنية، للجمهور الأوروبي، مثل العاصمة الفرنسية باريس، وفي إيطاليا، تحتوي على نتاجه الفني الذي استوحاه وأبدعه بمدينة الأقصر المصرية، حيث يقيم فيها بشكل دائم، قال بأنه حتى في تلك الأعمال الفنية التي قدّمها في معارضه الأوروبية، تأثّر فيها بالصوفية، وتناولت الكثير من صور الدراويش والمتصوفة، وأنه حرص من خلال تلك المعارض على أن يقدّم للجمهور الأوروبي ملامح من الحياة في مصر، وبعض من الملامح الصوفية التي عاصرها وصارت جزءا منه، بجانب صور لحضارة مصر القديمة، ولوجوه أفريقيا الباسمة.

 

امرأة تنثر نجومها في سماء الخصب
امرأة تنثر نجومها في سماء الخصب

*العرب

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق