شخصيات فنية

أغرق الأزرق في وجد الموجة

محمد المليحي أحد مؤسسي الحداثة التشكيلية في المغرب*

 

الرسمُ كما المسرحُ كما الموسيقا؛ يُقوِّي العزيمة الروحية، ويأخذ بالإنسان إلى التجريد والصفاء، وإلى الإشراق، ليُحقِّق الوعي السامي. حركةٌ وسكون، ظلٌّ ونور، معنى وصورة، لوحة لاتأتأة ولا لجلجة فيها، هديرُ بحر، حفيفُ قرضات الحبل، صوتُ النوارس، صورة أمواج كأنَّها مقطعٌ طبقاتي- أركيولوجي، هي الصورة التي رسمها الفنَّان محمد المليحي (1936- 2020م) مفكِّر ومصوِّر فوتوغرافي ورسَّام لوحات جدارية ومصمِّم غرافيك، ونحَّات وأستاذ جامعي، وأحد مؤسِّسي الحداثة التشكيلية في المغرب. قضى يوم الأربعاء (29/10/2020م) متأثراً بإصابته بفيروس كورونا.

في قراءة لتشكل وعيه المعرفي، وهو يعدُّ نفسه إلى الحياة ليعيش مع لحظة الخلق المبدع، فإلى لحظة المجابهة وإحداثياتها ومحمولاتها الفكرية؛ السياسية والثقافية، سنرى أنَّ محمد المليحي، وخاصَّة في رسوماته ومنحوتاته، حاول خلخلة وزعزعة وكسر صنمية الماضي، حتى لا نقع في الجبرية السياسية، فها هي رسوماته تخترق حدود المغرب نحو أوروبا وأمريكا؛ أمواجه ومربعاته ودوائره تكسر سياقات المألوف، تكسر التكرار، والتقليد؛ لتصوغ رؤية فلسفية تدفعنا للتفكير والتأمل. المليحي، في نتاجه الفني كما الفكري، يؤسِّس مع زميليه فريد بلكاهية ومحمد شيبا (جماعة الدار البيضاء) التي اتسم أسلوبها بالحداثة والتجديد، وكان نتاجها معرضاً لأعمالهم في الرباط عام (1966م)، يذهبُ نحو تحقيق الإنسان الفلسفي العربي، كون الإنسان حامل صيرورة التاريخ، التاريخ الذي هو أفعال الإنسان. ونحن وخاصة في الفنون نزدري الإنسان، ولا نذهب معه لتأسيس لحظة الفعل التأملي؛ فالإنسان المفكِّر حين تضيق الدنيا عليه ولا يجد مسكناً، سكناً، قد يسكن الفكرة. محمد المليحي، في رحلته الدراسية الأوروبية والأمريكية، لم يُصَبْ بصدمة الحداثة إنْ في الفنون أو في العلوم، كان يحملها معه، فلقد بدأ أوَّل ما بدأ بتفكيك الصورة التقليدية الواقعية في الرسم وتغيير مسارها، ووجد نفسه في الأزرق؛ الأزرق حين يكون أمواجاً، أمواجاً في مستطيلات ومربعات ودوائرَ لا ترمي أسماكاً على الشاطئ، أمواجٌ تحملُ سفن الأفكار، فتعبر من مضيق باب المندب أو قناة السويس أو مضيق جبل طارق، إلى خليج نيويورك سيان، فالمشروع الحداثي بالنسبة له هو مشروع تحرُّر وطني لتجديد الحياة.

ثمَّة شعور، مشاعر مؤلمة، وهو يرى شرقه لايزال يحافظ على براءته الأخلاقية في صدامه مع الغرب، كان ذلك واضحاً في لوحاته ومنحوتاته وحماسه، ومن ثمَّ سنرى لاحقاً نشاطه الفكري في إصدار مجلة (أنفاس) مع الشاعر عبداللطيف اللعيبي والروائي الطاهر بن جلون، التي لعبت دوراً ثقافياً مؤثِّراً في الحياة الفكرية المغربية، في منتصف الستينيات من القرن الماضي، ومجلة (إنتجرال) التي صدرت باللغة الفرنسية عام (1972م)، ودار نشر (شوف)، و(جمعية المحيط الثقافية) مع صديقه وزير الثقافة محمد بن عيسى عام (1978م)، كما نظَّم معه موسم (أصيلة) الثقافي، وهو مهرجان للرسم بغاية إشاعة قيم الجمال على جدران المدينة، وذلك بما يعبِّر عن ثورية عقله وروحه، فهو يرسم بقصد إثارة الانفعال النفسي والفكري لخلق التأثير الجمالي. ليكن الحب هو القوَّة الجديدة وليتحد مع الفكر، مع أمواج البحر، أمواج الفكر، مع ألسنة اللهب، لهب عقله؛ إِنْ في لوحاته أو منحوتاته أو في جدارياته وملصقاته؛ فالمليحي يشيد عمارة لونية، عمارة عقلية، مخططات هندسية من توريقات وتموجات تذهب من التجريد إلى الواقع، تجريدياته؛ أو التجريد، كما رسمه محمد المليحي، هو التجريد المُلوَّن بالأزرق والأصفر بفضاءاته الشاحبة والساطعة. أزرق أزرق يتموَّج، موج، متماوج، يغني غنائي. وأصفر أصفر كخيار روحي، أصفر روحي حميمي مضيء، شكٌّ ولا يقين، إثباتٌ- نفيٌ، الرسم الذي يرسمه محمد المليحي هو أجسامٌ لأشكالٍ هندسية، هي تجسيدٌ لأفكاره التي تمثل العقل العام- الوعي العام للمثقَّف المفكِّر في مرحلته السؤالية؛ أشكالٌ بألوان أوَّلها الأزرق، لونٌ تعبيري، وحامل موضوعي لأسئلة الذات، لونٌ ينقل، لونٌ يُقيم لحظة اتصالية مع الآخر. فالرسم في كتله اللونية هو تنقيبٌ فلسفي في صحراء العقل، الذي يُحْجَرُ عليه فلا يُفكِّر، فنرى في لوحاته نوعاً من المعاناة الشعورية اللاعقلانية، معاناة؛ تجربةٌ استقرائية تعبيرية لما يُفكِّر به كفنَّان مثقَّف، يعمل على استعادتها باعتبارها مُباطِنة للحدس الفلسفي وقصده العقلاني.

الفنان محمد المليحي، يقرأ ويحلِّل، وقلَّ أن نرى في الفن التشكيلي العربي فنَّاناً يشتغل رسوماته على الفكر، أو يكون عمله نتاج عملية تفكير رياضية. قد يتقاطع مع رشيد القرشي (الجزائري)، وفاتح المدرِّس (السوري)، وجواد سليم (العراقي)، ووجيه نحلة (اللبناني)، وسيف وانلي (المصري)، ولكنَّه أكثر مَنْ يذهب إلى التحليل الفلسفي المُتعمِّق في استكناه لحظات الإشراق في عقلنا بصفته عقلاً إنسانياً، ذاتاً مُفكِّرة، وذاتاً واعية.

ألوانه، خطوطه القاسية والصارمة، والتي تلين وترق حين تتبصَّر بها، رموزه وموتيفاته، كتله اللونية المتموِّجة وبالأزرق، هي لعبة فلسفية، هي استرداد لحظة الضياع الفلسفي. فالموجة/ الموجات في عملية بحث، تراها تخرج من يمين اللوحة لتدخل من يسارها، وتنسحب من أعلاها لتعود من أسفلها. دوران، تضاد، جري، في فعل جدلي مستمر ليُحقِّق لحظة فكرية تجريدية وحسية بآنٍ معاً.

حوارٌ جوَّاني، موجات، أمواجٌ لصور إشراقية متحرِّكة؛ متجلية. ألوان، موجات من ألوان، يكتب بها كتابةً هي نقيضٌ للكتابة، كتابة بألوان عصية على الرقابة، كتابة لا سلطان لأحدٍ عليها غير سلطان العقل، ألوانٌ، أمواجٌ من انفعالٍ وفعل. ألوانٌ بشحوبها وسطوعها، أزرقها وأصفرها وأحمرها؛ ليست صورة ملوَّنة، أو لونية. محمد المليحي، الأزرق عنده هو لون الأفكار، وهي تندفع في موجات؛ لون الماء وهو يتفاعل مع اللون الجوي، فتصير الألوان الباردة والحارَّة قوَّة مندفعة بكثير من الامتلاء والإشباع. أزرق محمد المليحي، كما أصفر فان غوغ. إنَّ عقله في الأزرق، الذي يعطي الفكرة قوَّتها في الفراغ؛ لتحقيق بُعد رابع وخامس، ويضعنا في لحظة تفكير مع أوضاع بصرية وصوتية؛ صوت الأمواج وهي تتحرَّك، تندفع بتلك التأثيرات النفسية فلا خوف ولا استلاب.

أمواجٌ منسابة، مجوَّفة، مقعَّرة، سطوح، فضاءات، تنافرات، تبدلات، كأنَّها لوجوهٍ تتجرَّد من إحداثيات المكان والزمان. تضاد، نزاعٌ بين الوجد والانهيار. تراه يزيل القشور والأغلفة بين الخطوط؛ خطوط أمواجه، وصولاً إلى النواة النارية حيث بصيرته. محمد المليحي، يستأصل، يقتلع؛ ليستخرج تلك الصورة العقلانية لذاك الإنسان حامل صيرورة التاريخ.

مربَّع، دائرة، خطوط منحنية، خطوط مستقيمة، استشراق، استغراب، قسوة، ضربات قوية تكاد تمزِّقُ/ تبخشُ قماش اللوحة، ليست تعبيراً عن توتره وقلقه، فهو هادئ، ولكنَّه موقف يبين كيف يصبُّ المليحي عَرَقَ بصيرته في أعماله التي بيع أحدها بمزاد (سوذيبيز لندن) في شهر آذار/مارس الماضي؛ وهي لوحة (السود) كان رسمها سنة (1963م) بنيويورك خلال فترة إقامته بالولايات المتحدة، بنحو نصف مليون دولار أمريكي.

محمد المليحي، من بين الفنانين العرب الذين حمَّلوا اللون عذابات الإنسان واغترابه، وإشراقات تفكيره، وهو في أمواجه/ تموجاته التي اشتهر بها يضعُ معظم طاقته الانفعالية، فكما لو يمزج بين الماء والنار، كما لو أنه غارقٌ؛ يغرقُ في وِجْدِ الموجة، فنرى ذاك اللهب الثاقب لروحه وهو يندفع، يدفعُ الأمواجَ من قوَّة انفجار حواسه، فيصير الأزرق، أزرق الموج كما أزرق السماء.

*مجلة الشارقة الثقافية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق